.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لا تزال الصين لغزاً. لا أحد يستطيع أن يعرف ماذا تريد بكين. عكس بقية القوى الفاعلة دولياً شرقاً وغرباً، تحيط بالسياسة الصينية مسحة من الغموض خارجياً ومحلياً. هذا الغموض هو ما تحاول أليس إيكمان، في كتابها "الرحلة الأخيرة إلى بكين" جلاءه، من خلال تحليل مفصّل ونقدي للديناميكيات السياسية والاقتصادية والثقافية للصين المعاصرة .
يغطي الكتاب العديد من المواضيع الرئيسية التي تسمح لنا بفهم الإدارة المعقدة للنظام الصيني وتأثيره المتزايد على العالم. من خلال أسلوب واسع المعرفة وسهل الوصول إليه، تفك إيكمان طموحات بكين الاستراتيجية، والتحديات المجتمعية الداخلية التي تواجه البلاد، وتداعيات خياراتها على النظام العالمي. كما تستكشف بعمق كيف تعيد الصين تحديد مكانتها في العالم، وتقوم بتحليل المبادرات الرئيسية مثل طريق الحرير الجديد (مبادرة الحزام والطريق) وتأثيرها الجيوسياسي. وتسلّط الضوء على الآليات التي تعزز بها بكين نفوذها، سواء من خلال الاستثمارات الضخمة في أفريقيا وآسيا الوسطى، أو حتى عبر حملات القوة الناعمة التي تهدف إلى تحسين صورتها. على الرغم من أن الصين تظهر واجهة من الاستقرار والقوة، فإن إيكمان تحلل التحديات الداخلية التي تواجهها البلاد: اتساع فجوة التفاوت الاجتماعي، والقيود المفروضة على الحريات الفردية، والتوترات العرقية، وخاصة في شينجيانغ والتبت، وتأثير هذه التوترات على الحزب الشيوعي الصيني واستراتيجيته في السيطرة الاجتماعية.
لكن الفكرة الأساسية للكتاب – والتي حقاً يلتمس فيها القارئ قليلاً من نزعتَي السحر والغموض عن العملاق الصيني – هي طبيعة الدور الذي يلعبه الحزب الشيوعي. تقوم إيكمان بتشريح خطابات وسياسات شي جينبينغ، الذي يجسّد مرحلة جديدة من مركزية السلطة. كما تحلل كيف يفرض الحزب الشيوعي أنموذجه التنظيمي ليس على المستوى المحلي وحسب، ولكن أيضاً كبديل للديموقراطيات الليبرالية على الساحة الدولية. من خلال تحليل كم هائل من الخطب والمنشورات، تستنتج الكاتبة، أن الصين تتجه نحو مرحلة جديدة من الحضور العالمي ولاسيّما على مستوى العلاقة مع الغرب.
فبعد مرحلة طويلة من الانفتاح على الغرب، تختار بكين الانغلاق، فالمنافسة سوف تكون لها الأسبقية على التعاون. وهذا الإغلاق الأكثر وضوحاً - والذي يشكّل تطوراً ولكنه ليس تغييراً للمسار - هو نتيجة للتجديد الأيديولوجي الذي لوحظ منذ تولى شي جينبينغ السلطة في نهاية عام 2012. فبالنسبة إلى الأمين العام للحزب الشيوعي، فقد حان الوقت الآن - بعدما عززت الصين مكانتها باعتبارها القوة الاقتصادية الثانية في العالم - للعودة إلى أساسيات "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، والتي تتضمن على وجه الخصوص تعزيز التكوين الفكري والسيطرة الأيديولوجية لكوادر الحزب، ومعارضة أكثر صرامة ومنهجية للأفكار الليبرالية، وكذلك إعادة تحديد التناقضات الرئيسية والثانوية، حيث تبدو "القوى الغربية المعادية" كتناقض رئيسي، وإعادة صياغة الاقتصاد، على أساس التحوّل الجذري الذي شهدته قوى الإنتاج والاستهلاك المحلية.
وتعتقد أيكمان، أنه من المحتمل أن تستمر الصين في إغلاق نفسها أكثر على الجزء الغربي من العالم. وفي عهد شي جينبينغ، يعتقد الحزب الشيوعي أنه يجب عليه أكثر من أي وقت مضى أن يحارب التأثيرات الأجنبية على أراضيه. ولكنه يعتقد أيضاً أنه يتعين عليه الآن شنّ هجوم مضاد على المستوى الدولي، وتسليط الضوء على الانحدار المفترض للغرب، والضرب بقوة لدعم هذا الانحدار. وبالتوازي مع هذا الإغلاق للأفكار، نلاحظ إغلاقاً تدريجياً للاقتصاد الصيني، حيث يتعزز دور الحزب في الاقتصاد والمجتمع بشكل متزايد. ويجري إعادة تعريف عدد متزايد من القطاعات (التقنيات الجديدة، والترفيه، والتعليم الخاص) من قبل السلطات؛ ففي خطابه الافتتاحي أمام المؤتمر العشرين الذي ألقاه في 16 تشرين الأول (أكتوبر) 2022، دعا شي جينبينغ الناس إلى محاربة "عبادة المال" و"مذهب المتعة" وحتى "التمركز حول الذات". وسبق أن دعا الشباب إلى التحلي بـ"الأخلاق". وبحسب أيكمان فإنه من المحتمل أن نشهد في السنوات المقبلة إعادة صياغة من قبل الحزب الشيوعي لأنماط الاستهلاك، وعلى نطاق أوسع لعادات الشعب الصيني وسلوكياته، مع دعوات لاستهلاك المزيد من السلع الصينية للتحرك نحو الاكتفاء بالذات عن الغرب، ولكن أيضاً للاستهلاك بشكل أكثر اعتدالاً، والابتعاد عن ممارسات "الفجور" الغربية، التي يرى الحزب أنها لا ينبغي أن تكون ممارسات سائدة في "دولة اشتراكية". ذلك أن هذه الاستدارة الصينية عن الغرب، والتي بدأت قبل وقت قصير من أزمة الوباء، تشكل اتجاهاً طويل الأمد.