.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
جان صالح*
وأخيراً سقط نظام الأسد وحزب البعث في سوريا بعد عقود طويلة من الظلم والاضطهاد، حيث حكم الأسد الأب والابن سوريا بالقمع والاستبداد، واستمر هذا النهج رغم حقبة الربيع العربي ونهاية أنظمة دكتاتورية بشكل تراجيدي، وعدم إدراك بشار الأسد أن رياح التغيير والثورات ستحطم نظام حكمه حتماً.
كان النظام السوري مستمراً في الحكم والبقاء بفضل دعم روسيا وإيران و"حزب الله" لحُكمه، حيث المصالح المتقاطعة في المنطقة. ولكن بعد أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، وحرب إسرائيل و"حزب الله" في لبنان، وتدمير معظم سلاح الحزب واغتيال أغلب قياداته، فقد الأسد حُماته. وبالرغم من المحاولات العربية خلال سنين لإعادة تأهيل سوريا، بإبعادها عن الهيمنة الإيرانية، وكذلك الضغط الروسي عليه في هذا الأمر، فإن الأسد بقي متموضعاً في السياسة التقليدية نفسها. حاول أردوغان بدوره الانفتاح على الأسد عدة مرات، لأسباب تتعلق بالمصالح المشتركة بين دمشق وأنقرة، وأهمها العمل معاً في محاربة الأكراد في سوريا، ومنع قيام أي حكم ذاتي كردي، أو إقليم كردي فيديرالي، بمساعدة محتملة من الولايات المتحدة وإسرائيل في ذلك، كمصلحة أميركية- إسرائيلية في جعل سوريا خالية من النفوذ الإيراني.
أدرك أردوغان أن مشروع الشرق الأوسط الجديد قد يتحول من احتمال إلى حقيقة، بعد حرب غزة، والتصريحات الإسرائيلية بهذا الشأن، وأنه لا بدّ من منح الأكراد حقوقاً سياسية، وحمايتهم من الهجمات التركية. وبعيداً عن تفاصيل وحيثيات ما حدث في سوريا، وسيطرة هيئة تحرير الشام (النصرة) على سوريا، وحقيقة أن تركيا كان لها الدور الرئيسي في المخطط، من منطق أن تركيا ومخابراتها لها السيطرة الكاملة على فصائل الجيش الوطني، والائتلاف السوري المعارض، وجماعة الجولاني؛ ورغم عدم اعتراف الجولاني "أحمد الشرع "بالائتلاف السوري وخلافه معهم، فإن تركيا فرضت على الجيش الوطني مشاركة جماعة "هيئة تحرير الشام" بقيادة الجولاني في الهجوم على نظام الأسد.
تركيا، من خلال ما جرى، باتت المهيمنة وذات النفوذ في سوريا، بعد هزيمة إيران وروسيا في سوريا. ولهذا سيحاول أردوغان أن يفرض على السوريين نموذجاً إسلامياً سياسياً، في المستقبل، لتصبح سوريا حديقة خلفية لتركيا في توسعاتها وأطماعها في المنطقة، وبالتالي تعزز مكانتها الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتحصل في مقابل كل هذا على ما تريده من حلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية؛ وبذلك تكون قد قدّمت خدمة استراتيجية لصالح إسرائيل وواشنطن، بتحويل سوريا إلى دولة ضعيفة بلا سلاح ولا تأثير في المنطقة؛ دولة من دون إيران وروسيا، ومع فرض حكومة تابعة لتركيا، ولو كان ذلك على حساب حقوق المكوّنات السورية من الأكراد والمسيحيين والعلويين والدروز والعلمانيين والليبراليين، الذين يطمحون إلى سوريا تعددية ديموقراطية فيديرالية.
الرئيس المنتخب دونالد ترامب صرّح للصحفيين بـ"أن الأتراك كانوا يرغبون في الاستيلاء على سوريا، والآن تمكّنوا من ذلك"، وذلك تعقيباً على دعمها لفصائل المعارضة التي أطاحت بنظام بشار الأسد. وأضاف، "لقد قامت تركيا بعملية استيلاء غير وديّة، من دون خسارة الكثير من الأرواح. أستطيع أن أقول إن الأسد كان جزاراً، وما فعله بالأطفال كان وحشياً".
من التطرف إلى البراغماتية السياسية
منذ سنتين، حاولت تركيا تقديم صورة جديدة للجولاني، بحجة أنه قد أعلن انفكاكه عن تنظيم القاعدة منذ عام ٢٠١٦، وأن له رغبة في التواصل مع الولايات المتحدة الأميركية، وفتح صفحة جديدة. بالفعل، أجرى مقابلة في عام 2021، مع شبكة "بي بي إس"الأميركية، مصرّحاً بـ"أن هيئة تحرير الشام لا تشكل أيّ تهديد للغرب، وأن العقوبات المفروضة عليها غير عادلة. وقال في المقابلة: "نعم، لقد انتقدنا السياسات الغربية، ولكن شنّ حرب ضد الولايات المتحدة أو أوروبا من سوريا ليس صحيحاً. لم نقل إننا نريد هذا القتال". من هنا أصبحت "هيئة تحرير الشام" مجموعة يمكن لتركيا أن تنسق معها لأهدافها وخططها في سوريا، رغم تاريخ الجولاني وتنقله بين القاعدة وداعش، ثمّ تأسيسه جبهة النصرة، وارتكابهم جرائم حرب وانتهاكات ضد حقوق الإنسان في إدلب بحق السكان والنشطاء والصحفيين.
انشغل السوريون بأفراح الحرية وسقوط النظام، مع استراتيجية الانفتاح على الجميع من قبل "هيئة تحرير الشام". ولكن كل هذا لم يخفِ مشاعر الخوف والقلق لدى السوريين من تقييد للحريات وأسلمة للدولة من خلال دستور أساسه الشريعة، لا الديموقراطية، وفقاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان... ولهذا، يطالب السوريون بتطبيق القرار الدولي ٢٢٥٤ الذي ينص على تشكيل هيئة حكم سياسي انتقالي من الأطراف السورية كافة خلال ستة أشهر، على أن تتم كتابة دستور للبلاد، وإجراء انتخابات حرة خلال ثمانية عشر شهراً بإشراف من الأمم المتحدة.
قلّل الشرع من احتمال فرض الشريعة الإسلامية في البلاد، وقال: "ستكون سوريا الطبيعية"، وأضاف: "أعتقد أن سوريا لن تتدخل بشكل عميق في الحريات الشخصية"، لكنها ستأخذ "العادات" في الاعتبار. كما تعهّد بحلّ الفصائل المسلّحة وانضواء مقاتليها في الجيش السوري الجديد. كما رأى أنه "يجب حضور عقلية الدولة ، لا عقلية المعارضة".
المجتمع الدولي يراقب الوضع في سوريا بحذر، وهناك محاولات رسمية جادة لحكومة تشاركية من خلال حوار وطني سوري يجمع الجميع معاً، في سبيل صياغة دستور جديد للبلاد، ثم إجراء انتخابات حرّة.
خوف عام ورهبة ممزوجان لدى السوريين تجاه "هيئة تحرير الشام" الإسلامية السنية ذات التاريخ الأسود مع القاعدة، مع احتوائها على الكثير من الجهاديين الأجانب في صفوفها، واحتمال أن تقوم بفرض أفكار التطرف والجهاد، والإسلام السياسي على المجتمعات السورية في المستقبل. ومن الممكن أن نتوقع أن تتحوّل أفكار وعقيدة الجولاني وهيئة تحرير الشام الراديكالية المتطرفة إلى دولة ضمن الدولة، بدعم أطراف إقليمية، على رأسها تركيا. ولهذا، هناك إمكانية أن تتحول سوريا نحو سيناريو إيران الخمينية، أو أفغانستان طالبان، مع أغلبية حتمية تفجّر الصراع بين الفصائل المسلحة على السلطة، أو حرب عربية-كردية بتخطيط تركي للسيطرة على كامل الجغرافيا السورية لتحقيق أطماعها التاريخية.
بالنتيجة، يحتاج السوريون وسوريا إلى حوار وطني جامع لكل المكونات القومية والإثنية لاختيار نظام حكم انتقالي شامل، وتأسيس دستور ديموقراطي للبلاد. وبتصوري أن سياسات حزب البعث ونظام الأسد في تهميش المكونات السورية وسحقها، إضافة إلى النزاع الطويل لأجل الحرية، والتدخّلات الإقليمية والدولية تسببت سلبياً بتمزق المجتمع السوري، وفي هشاشته على المستويات كافة، وفقدانه لإرادة سياسية حرة مستقلة في صياغة مستقبل البلاد بعيداً عن التدخلات التركية؛ وبالتالي سيكون التوافق على نظام حكم فيديرالي تعددي اتحادي هو الحلَّ المناسب لتحقيق العدالة، ولمنع عودة الدكتاتورية، والانتقال بالبلاد نحو دولة القانون والمؤسسات.
*باحث ومحلل سياسي-واشنطن