السيادة على مذبح اللامركزية: لماذا لن تنقذنا التسويات التقليدية؟

مقالات 21-07-2026 | 05:00
السيادة على مذبح اللامركزية: لماذا لن تنقذنا التسويات التقليدية؟
إن كسر المركزية المفرطة هو الطريق الوحيد لإنهاء احتكار السلطة وتجفيف منابع الفساد المافيوي
السيادة على مذبح اللامركزية: لماذا لن تنقذنا التسويات التقليدية؟
تعبيرية.
Smaller Bigger

روجيه ديب

وزير سابق

مع كل منعطف إقليمي جديد، تلتفت الأنظار في بيروت نحو العواصم الكبرى والإقليمية. يترقب اللبنانيون حركة الديبلوماسيين وزيارات الموفدين، وتصريحات القادة من واشنطن إلى طهران، صعوداً إلى دمشق وتل أبيب، بحثاً عن خيط دخان أبيض يؤسس لتسوية تنهي أزمتهم المستدامة. في المقابل، يمتلئ الفضاء الإعلامي المحلي بسجالات عقيمة تُلقي باللوم كله على "المؤامرات الخارجية" أو على ارتهان الأحزاب وقوى الأمر الواقع.

لكن هذا التشخيص، على الرغم من واقعية بعض  أعراضه، يغفل  المرض الحقيقي الذي ينهش جسد الكيان اللبناني منذ عقود. .

لا يعي اللبنانيون خطورة وضعية بلادهم وهي تشبه وضعية بلاد أفريقيا الشمالية الغارقة في الديون والفساد والحوكمة الفاشلة قبيل استعمارها في القرن التاسع عشر، والإمبراطورية العثمانية قبل تقسيمها وتمزيقها وتصغيرها بعد الحرب العالمية الأولى! 


"المافيا" الإيطالية  بنسخة لبنانيّة

 لتقريب الصورة، يشبه النظام اللبناني الحالي إلى حد بعيد النظام السياسي الحزبي التحاصصي الذي ساد إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع التسعينيات. هناك، تحالفت أحزاب متناقضة أيديولوجياً - من الديموقراطيين المسيحيين إلى الشيوعيين - مع شبكات المصالح العميقة والفساد، تحت شعار "الحفاظ على الاستقرار". والنتيجة كانت تحويل الدولة إلى غنيمة يتم تقاسم صفقاتها ومواردها لتمويل الماكينات الحزبية وإثراء الزعامات.
في لبنان، تحوّلت الدولة المركزية إلى "الجائزة الكبرى". فبسبب مركزيتها المفرطة، تصبح السيطرة على العاصمة بيروت وعلى الائتلاف الحاكم بمثابة وضع اليد على الحنفية المالية والخدماتية للبلد بأكمله. هذا الواقع فتح الباب أمام نوعين من السيطرة يتكاملان في نهب الدولة وتدمير سيادتها:

فائض القوة والعنف المباشر: الذي يمثله "حزب الله" لفرض إرادته السياسية والعسكرية.

التلاعب السياسي والمالي والبيروقراطي الذي تمارسه بقية أطراف المنظومة الحاكمة والدولة العميقة لـ"حلب" مؤسسات الدولة وتحويلها إلى إقطاعيات حزبية طائفية تحمي مصالحها.