نهج التمديد

مقالات 20-03-2026 | 05:00
نهج التمديد
في قانون تمديد ولاية المجلس الحالي، لا تناسب بين مدة التمديد سنتين والظروف الاستثنائية التي من المرجّح أن لا تدوم أكثر من أشهر
نهج التمديد
جلسة التمديد للمجلس النيابية لمدة سنتين.
Smaller Bigger

الدكتور عصام سليمان
رئيس المجلس الدستوري سابقاً



غدا تمديد ولاية مجلس النواب نهجاً متّبعاً من قبل الغالبية العظمى من النواب، برز في التمديد في الأعوام 2013 و2014 و2017 و2026، بذرائع واهية وبظروف استثنائية عابرة، فأفرغت الديموقراطية البرلمانية من جوهرها وتحولت إلى مجرد مظهر، في وقت يغيب فيه مجلس النواب عن معالجة المشاكل الأساسية، وخاصة تلك التي تتطلبها الظروف الاستثنائية، ما أدّى الى الإمعان في شرشحة الدولة وفقدان ثقة المواطنين والعالم بها في مرحلة مصيرية تتطلب دوراً فاعلاً للدولة بجميع مؤسساتها، وعلى رأسها مجلس النواب الذي يمثل من الناحية المبدئية، الشعب بموجب وكالة نيابية، فوّض إليه فيها ممارسة السلطة لفترة زمنية محدّدة بأربع سنوات.

الوكالة النيابية لا تقيّد النائب في ممارسة مهامّه، فهو وفق المادة 27 من الدستور "يمثّل الأمة جمعاء ولا يجوز أن تُربط وكالته بقيد أو شرط من قبل منتخبيه"، هذا يقتضي حكماً العودة إلى الشعب عند انتهاء مفعول الوكالة لإصدار توكيل جديد عبر الانتخابات، فعدم تقييد النائب أثناء العمل بموجب الوكالة يفرض سقوط وكالته عند انتهاء مدّتها بحيث لا يعود له صفة الوكيل، ولا شرعية له في ممارسة سلطة يدّعيها.

أما الظروف الاستثنائية التي تهدّد الانتظام العام، وتحول دون إجراء الانتخابات، وتبرر تمديد ولاية المجلس من أجل منع الفراغ فيه، فينبغي أن تكون أسبابها حقيقية وقائمة في الواقع وتهدد فعلاً الانتظام العام وتحول دون إجراء الانتخابات، مع التأكيد أن الظروف الاستثنائية تتحدّد في المكان والزمان، وينبغي أن يكون هناك تناسب بين القرارات المتخذة بسبب الظروف الاستثنائية من جهة، وما تتطلبه هذه الظروف من جهة أخرى. وإن كان لمجلس النواب حق تقدير الظروف الاستثنائية، فإن ممارسته لهذا الحق تبقى خاضعة لرقابة المجلس الدستوري المناط به الحفاظ على احترام الدستور في عملية التشريع.

التناسب بين القرارات المتخذة بسبب الظروف الاستثنائية وما تتطلبه هذه الظروف، يقتضي حصر مدة هذه القرارات بالفترة الزمنية التي توجد فيها ظروف استثنائية، ولا أحد يستطيع التكهن بأن هذه الظروف ستستمر لفترة طويلة، فلا يجوز أن يستمر مفعول هذه القرارات لفترة طويلة، بل ينبغي تحديد مفعول القرارات بفترة زمنية قصيرة، لأنها قرارات مخالفة للدستور، وخاصة إن كانت تتناول ولاية مجلس النواب وإرجاء الانتخابات النيابية التي يعبّر الشعب فيها عن إرادته بكونه "مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية"، وفق ما جاء في مقدّمة الدستور. فلا يجوز التذرّع بالظروف الاستثنائية لتمديد ولاية مجلس النواب لمدة طويلة تتجاوز المدة التي تتطلبها هذه الظروف، لأن في هذا انتهاكاً للدستور، ومن واجب المجلس الدستوري التصدّي له ومنعه. 

قصة المجلس الدستوري مع قوانين تمديد ولاية مجلس النواب طويلة، ففي عام 2013 مُدّدت ولاية مجلس النواب سنة وسبعة أشهر تذرّعاً بظروف استثنائية غير موجودة، دحضها آنذاك وزير الداخلية بنفسه فأدلى بتصريحات أكد فيها أن الوزارة جاهزة لإجراء الانتخابات في موعدها. وتلقى المجلس الدستوري طعنين بقانون التمديد، أحدهما من رئيس الجمهورية، وكان على وشك اتخاذ قرار بإبطال قانون التمديد، غير أن الضغوط السياسية على بعض الأعضاء أدّت إلى تعطيل النصاب ومنع المجلس الدستوري من القيام بواجبه ليصبح القانون المطعون فيه نافذاً بعد انتهاء مدة الثلاثين يوماً المعطاة للمجلس لاتخاذ القرار.

ما حدث شكل سابقة خطيرة جداً تصدّينا لها في المجلس الدستوري آنذاك بحزم وحكمة ودراية، وأكدنا في قرار اتخذناه، دُوّن في محضر جلسة الهيئة العامة للمجلس رقم 94 تاريخ 31 تموز 2013، التزام الأعضاء بحضور الجلسات وعدم تعطيل النصاب تحت أية ظروف، وأن عضو المجلس الدستوري لا يمثل أيّ فئة وأيّ جهة سياسية، ولا ينتمي في ممارسة مهامه، طيلة ولايته، إلا للمجلس الدستوري دون غيره. وقد التزم الأعضاء جميعاً بما تعهدوا به طيلة ولايتهم. 

كُرّر التمديد في عام 2014 لسنتين وثلاثة أشهر، وطُعن بقانون التمديد، وكان تقاعس النواب عن القيام بواجبهم الدستوري وانتخاب رئيس الجمهورية قد أدى إلى فراغ في سدة الرئاسة. كذلك تقاعست الحكومة بدورها عن اتخاذ القرارات الضرورية لإجراء الانتخابات.

أقر قانون التمديد ونشر قبل تسعة أيام فقط من انتهاء الولاية الممددة. وتلقى المجلس الدستوري الطعن قبل سبعة أيام فقط من انتهاء الولاية. فقد أقر القانون على مسافة قريبة جداً من انتهاء ولايته الممددة لكي لا يفسح المجال أمام المجلس الدستوري لإبطال القانون، على أساس أن مدة التمديد أطول بكثير مما تتطلبه الظروف الاستثنائية، وإلزام مجلس النواب بتقصير مدة التمديد. فقرار المجلس الدستوري كان سيصدر بعد انتهاء الولاية وبدء الولاية الممددة ثانية، ما يحول دون تقصير مدة التمديد بقانون جديد لأن مجلس النواب يصبح بحكم غير الموجود، أي في حالة فراغ يضاف إلى الفراغ في سدة رئاسة الجمهورية، ما يؤدي إلى الدخول في أزمة دستورية لا يمكن الخروج منها، وخاصة أن الحكومة لم تكن بوارد إجراء الانتخابات وكانت تتصرّف على أساس أن التمديد للمجلس حتمي. خطة مدروسة لا يفكّر فيها إلا من دأب على اللعب بالسياسة كاللعب بالكشاتبين.

أكد المجلس الدستوري في قراره أن قانون التمديد مخالف للدستور، وردّ الطعن للحيلولة دون التمادي في حدوث الفراغ في المؤسسات الدستورية، وأكد أن دورية الانتخابات مبدأ دستوري لا يجوز المسّ به مطلقاً، وأن التدابير الاستثنائية ينبغي أن تقتصر على المدة التي توجد فيها ظروف استثنائية، وضرورة إجراء الانتخابات النيابية فور انتهاء الظروف الاستثنائية وعدم انتظار نهاية الولاية الممددة.

بعد ذلك جرت الانتخابات البلدية ولم تجر انتخابات نيابية عملاً بقرار المجلس الدستوري، ومُدّدت ولاية المجلس مرة ثالثة في عام 2017 ولم يطعن أحد في قانون التمديد.

في قانون تمديد ولاية المجلس الحالي، لا تناسب بين مدة التمديد سنتين والظروف الاستثنائية التي من المرجّح أن لا تدوم أكثر من أشهر. والنص في القانون على إجراء الانتخابات فور انتهاء الظروف الاستثنائية لا قيمه له، فالتمديد سيستمرّ وقد ينتهي بتمديد آخر تذرّعاً بالخلاف على قانون انتخاب جديد، مع العلم بأن المجلس الدستوري في قراره المتخذ في عام 2014 أكد أن ربط إجراء الانتخابات النيابية بالاتفاق على قانون انتخاب جديد، أو بأيّ اعتبار آخر، عمل مخالف للدستور. وقرارات المجلس الدستوري ملزمة لكل السلطات في الدولة.

لا يزال أمام مجلس النواب متّسعٌ من الوقت لتقصير مدة تمديد ولايته، وانتخاب مجلس نواب جديد كخطوة على طريق استعادة الثقة بالدولة وتفعيل مؤسّساتها.