.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
جاءت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للقاهرة أخيراً، وما رافقها من حفاوة استقبال رسمية محسوبة بعناية، لتشكّل محطة سياسية مفصلية في مسار العلاقات المصرية-التركية باعتبارها انعكاساً لتحولات أعمق في بنية الإقليم، وانتصاراً لمنطق الدولة والمصالح على رهانات الأيديولوجيا والصدام. فالزيارة، بكل ما تحمله من رمزية، لا يمكن فصلها عن سياق بدأ عام 2013، عقب ثورة 30 يونيو التي أنهت حكم تنظيم الإخوان في مصر. ففي تلك اللحظة، اتخذت أنقرة موقفاً عدائياً صريحاً من الدولة المصرية، وصل إلى حد قطع العلاقات السياسية، وشن حملة ديبلوماسية وإعلامية ضد القيادة الجديدة، مقرونةً باحتضان مباشر لعناصر التنظيم، ومنحهم الإقامات والدعم والمنصّات الإعلامية التي استُخدمت للتحريض على مصر، والتشكيك في مؤسساتها، والإساءة إلى قيادتها وجيشها وشعبها. وزاد من حدة هذا المسار أن الرئيس التركي راهن علناً على سقوط الدولة المصرية، وصرّح في أكثر من مناسبة بأنه لن يجلس مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولن يصافحه يوماً. فكان ذلك تعبيراً عن قراءة خاطئة لطبيعة المجتمع المصري، الذي لفظ الإخوان ورفض مشروعهم، وعن خلط واضح بين الموقف الأيديولوجي ومتطلبات السياسة الواقعية.
في المقابل، كشفت التجربة المصرية عن نهج مغاير في إدارة الخلافات. فعلى الرغم من المواقف الحادة التي اتخذتها بعض الدول تجاه الثورة المصرية، وما ترتب عليها من ضغوط سياسية واقتصادية وإعلامية أثّرت بوضوح على الداخل المصري، فإن الرئيس السيسي لم يلجأ إلى خطاب التصعيد أو الإساءة أو ردود الفعل الانفعالية، بل التزم لغة هادئة، محسوبة، تحكمها اعتبارات الدولة لا حسابات اللحظة، وكأنه كان يتحسب للمستقبل، ويدرك أن العلاقات بين الدول لا تُدار بمنطق الخصومة الدائمة، وأن الزمن كفيل بإعادة ترتيب المواقف وكشف الرهانات الخاسرة. وأثبتت السنوات اللاحقة صحة هذه الرؤية، مع تراجع مشاريع الإسلام السياسي في المنطقة، وتغيّر أولويات الدول تحت ضغط التحديات الأمنية والاقتصادية، وعودة مصر لتكريس موقعها كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه.