أمرأة تجلس في منزلها المتضرر من القصف الإسرائيلي على القرى الجنوبية.
ميلان عبيد قرأنا وتعلمنا من تواريخنا المتفجرة باستمرار أن الجغرافيا لها سيرة حياة كسائر المخلوقات. تستظل بها وتنمو على مقدارها. وبدورنا نحن نغفو على سردياتها المتوارثة، وعندما تمتد وتتوسع المخلوقات الطاغية وتنتشر تفيض "الجغرافيا" وتلتهم ما حولها وسائر الموجودات على سطحها بما فيها البشر. تتشاره "الجغرافيا" لتصبح متخمة بالمساحة وصية على جغرافيات أخرى كبيرة أو وسطى أو صغرى وتأكل الكثير من الأوطان الصغيرة إلى حد التخمة. ثم تبدأ دورة النموّ بالتفسخ والتراجع والهريان، والتآكل. تلك هي أحوال نشأة الأمم وسيرتها في التاريخ على امتداده. وفي الظن أن هذه المنطقة من العالم تنطبق عليها هذه المعادلة بقساوة وفظاظة شديدة الوطأة والاتساع. البعض يسمّيها أحوال الأمم، والبعض الآخر يدعوها بدورة الحياة. دائماً وفجأة تظهر عليها أعراض الضمور والموت البطيء والتحلل والانحلال المتنوع والغزير. ثم إنها وهي تموت على مراحل تنمو إلى جانبها "جغرافيا" أخرى متوحشة جائعة وأكولة تلتهم ما بقي من الجغرافيا المتوارية وأركانها. نتحدث هنا عن الإنسان الجامح والمتوسع والجائع والمتسلط والمضخم والوصيّ. ثم تعود الجدلية نفسها لتحضر على "الجغرافيا" وتعلوها من جديد. البعض يطلق على هذا التبدل التاريخي صفة "جدلية الإبهام". والعلامة ابن خلدون يطلق عليها تعريف التداول والترهل ...