.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ميلان عبيد
قرأنا وتعلمنا من تواريخنا المتفجرة باستمرار أن الجغرافيا لها سيرة حياة كسائر المخلوقات. تستظل بها وتنمو على مقدارها. وبدورنا نحن نغفو على سردياتها المتوارثة، وعندما تمتد وتتوسع المخلوقات الطاغية وتنتشر تفيض "الجغرافيا" وتلتهم ما حولها وسائر الموجودات على سطحها بما فيها البشر.
تتشاره "الجغرافيا" لتصبح متخمة بالمساحة وصية على جغرافيات أخرى كبيرة أو وسطى أو صغرى وتأكل الكثير من الأوطان الصغيرة إلى حد التخمة. ثم تبدأ دورة النموّ بالتفسخ والتراجع والهريان، والتآكل.
تلك هي أحوال نشأة الأمم وسيرتها في التاريخ على امتداده.
وفي الظن أن هذه المنطقة من العالم تنطبق عليها هذه المعادلة بقساوة وفظاظة شديدة الوطأة والاتساع.
البعض يسمّيها أحوال الأمم، والبعض الآخر يدعوها بدورة الحياة.
دائماً وفجأة تظهر عليها أعراض الضمور والموت البطيء والتحلل والانحلال المتنوع والغزير.
ثم إنها وهي تموت على مراحل تنمو إلى جانبها "جغرافيا" أخرى متوحشة جائعة وأكولة تلتهم ما بقي من الجغرافيا المتوارية وأركانها. نتحدث هنا عن الإنسان الجامح والمتوسع والجائع والمتسلط والمضخم والوصيّ. ثم تعود الجدلية نفسها لتحضر على "الجغرافيا" وتعلوها من جديد.
البعض يطلق على هذا التبدل التاريخي صفة "جدلية الإبهام". والعلامة ابن خلدون يطلق عليها تعريف التداول والترهل الذي يشبه في خصائصه أعمار الإنسان وأحواله.
تلك هي أحوال الأمم الممتدة في التاريخ.
منطقتنا هي الأخرى تنطبق عليها هذه المعادلة بقساوة منقطعة النظير والتبدلات العميقة.
تعود قواعد "جدلية الإبهام" من جديد ومن ثم قوانين دورة الحياة بالأصل وبالضرورة.
وفي الحالين تعود أسباب الاضمحلال والموت أو تعود أسباب الحياة والاستمرارية والبقاء.
لا أدري إن كنا نحن أيضاً ضحاياها أو رعاتها وأسبابها في الحالتين.
ولكن على ما أظن ومن خلال ما شهدناه أو مررنا به أو كنا جزءاً منه ندفع أثماناً باهظة التكاليف من التركة الضخمة: من التوسع أو الوصاية والشراهة والتخمة أو ضمور الوعي. شركاء في دفع التهور والتقصير والفجاجة والنفعية إلى أقصاه بحيث تغيب المسؤولية وتموت سائر الفرص المتاحة والممكنة.