مصرف لبنان.
البروفسور مارون خاطركاتب وباحث في الشؤون الماليّة والاقتصاديّةبالإضافة إلى أزمته السياسيّة العصيّة، يشهد لبنان جدلا واسعا وعميقا، فجّره تسريب لا يمكن فصله عن السياق السياسي والمالي لمشروع قانون "الفجوة الماليّة". التّسريب الذي يبدو مقصودا، لا من حيث التوقيت فحسب، بل من حيث المضمون أيضا، جاء في لحظةٍ لا يزال فيها الخلاف قائما حول الحجم الحقيقي للفجوة. ليس العائق تعقيد الأرقام فقط، بل كون الاتفاق على رقم موحّد يعني حكما الاتفاق على تحديد المسؤوليات، والانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق معالجتها، وهذا ما لا يبدو متاحا حتّى الآن. فالتباين القائم بين تقديرات الدّولة ومصرف لبنان والمصارف لا يعكس اختلافا تقنيا بريئا، بل يكشف بوضوح غياب الإرادة السياسيّة للذهاب نحو حلٍّ يقوم على المحاسبة والإصلاح البنيوي. في هذا الإطار، لا بدّ من التذكير بأنّ تقارير صندوق النّقد الدولي والبنك الدولي شدّدت مرارا على أنّ توحيد الأرقام شرط إلزامي لأي خطة تعافٍ جدية. فالأرقام ليست تفصيلا تقنيا قابلا للتفاوض، بل هي المدخل الطبيعي لتوزيع الخسائر بعدالة، ولتحديد من أخطأ ومن استفاد ومن قصر.الأخطر من ذلك هو الدّفع المتزايد في اتجاه الاستعجال في إقرار قانون الفجوة الماليّة، وكأنّه قانون عادي أو بند ملحق بقوانين الموازنات الدفتريّة المحاسبيّة التي اعتاد لبنان تمريرها تحت ضغط الوقت والضّرورة. إلا أنّ قانون الفجوة الماليّة ليس ظرفيا أو تقنيا محدود الأثر، بل هو قانون ذو بعد إستراتيجي تأسيسي، يرسم مستقبل النّظام المالي والمصرفي لعقود، ويحدّد مصير الودائع، ويعيد تعريف العلاقة بين الدّولة والمواطن والمصرف، ...