خطّة ترامب لتبييض صفحة إسرائيل وتغييب الفلسطينيين

مقالات 03-10-2025 | 00:16
خطّة ترامب لتبييض صفحة إسرائيل وتغييب الفلسطينيين
كل الوعود للفلسطينيين، التي تضمنتها خطة ترامب، لن يكون حظها أفضل من تلك التي تضمنها اتفاق أوسلو، وها هو نتنياهو بعد عودته إلى إسرائيل، يصرح علناً أن لا انسحاب كاملاً من غزة ولا دولة فلسطينية.
خطّة ترامب لتبييض صفحة إسرائيل وتغييب الفلسطينيين
خطة ترامب وصفة، ليس لحجب مسؤولية إسرائيل عن حرب الإبادة وحسب، إنما لتبييض صفحتها. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لعل أكثر شيء لافت في خطة الـ20 نقطة التي طرحها الرئيس دونالد ترامب، هو تبييض صفحة إسرائيل، والقفز عن انكشافها أمام العالم كله، كدولة تقوم بحرب إبادة جماعية وحشية ضد الفلسطينيين منذ عامين. نجم عنها أكثر من ربع مليون من الفلسطينيين ضحايا، قتلى، وجرحى، ومغيبين تحت الركام، وفي المعتقلات، إضافة إلى مليونين من المشردين الهائمين على وجوههم، في الحر والقر، من دون امتلاك أدنى مقومات الحياة، من ماء وغذاء وكهرباء ووقود ودواء ومأوى.

بعد ذلك، فإن ما يلفت في تلك الخطة هو تغييب الفلسطينيين، وضمناً تغييب فكرة الدولة الفلسطينية، أو الالتفاف عليها. وفوق ذلك، فإن كل تلك الخطة لا تعد الفلسطينيين بشيء يقيني، لجهة وقف حرب الإبادة ضدهم في غزة، ولجهة انسحاب الجيش الإسرائيلي منها، ولا حتى لجهة وضع حد للاستيطان الإسرائيلي في الضفة، أو كبح خطوات نتنياهو باتجاه فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء منها، مع شعار: لا حماسستان ولا فتحستان، لا في غزة ولا في الضفة. ولعل رفض الولايات المتحدة التصويت لصالح الدولة الفلسطينية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنع الرئيس الفلسطيني من القدوم إلى نيويورك لحضورها دليل على ذلك.

القصد أنه في حين يجري التركيز، على إنهاء وجود "حماس"، السياسي والعسكري، في غزة، كعنوان لتلك الحرب، ولتلك الخطة، فإن إسرائيل تنتهج نمط حرب الإبادة لتدمير عمران غزة، ومحوها من الخريطة، وتالياً جعلها منطقة غير صالحة للعيش، بهدف التخفف من الكتلة الديموغرافية الفلسطينية فيه، فضلاً عن أنها تريد، من مثال غزة، أن يخضع الفلسطينيون، من النهر إلى البحر لإملاءاتها، وضمنه نسيان قصة الدولة الفلسطينية، أو حق تقرير المصير للفلسطينيين، علماً أن كل ذلك يجري بدعم أميركي لا محدود من إدارة ترامب.

لنلاحظ أن الحديث عن إصلاحات في كيان السلطة الفلسطينية، مثلاً، هي بمثابة كلمة حق يراد بها باطل، إذ أن المسألة تتعلق بتغيير مبنى السلطة ومعناها، من كونها نواة وممهداً للدولة الفلسطينية، الرامية الى تخليص الفلسطينيين أو تحريرهم من الاحتلال والهيمنة الإسرائيليين، وهي الفرضية الأساسية التي نشأت عليها تلك السلطة، بموجب اتفاق أوسلو (1993) الموقع في البيت الأبيض الأميركي، إلى كونها مجرد كيان حكم ذاتي للفلسطينيين، حتى لو تسمى دولة، بسبب تجريده من معاني السيادة ودلالاتها، على الأرض والموارد والمعابر والأمن، وفقط مع رئيس ووزارة وعلم ونشيد وعلاقات خارجية، كما هو حاصل الآن، بعد 33 سنة على عقد ذلك الاتفاق.

الأهم من ذلك أن المطالب، أو الاشتراطات، الأميركية (والإسرائيلية) على السلطة، عدا جعلها منزوعة السلاح، هو كلام مضلل، ومراوغ، إذ لا تملك السلطة لا موارد للسلاح، ولا سلاح من أصله، باستثناء السلاح الفردي (لأجهزة الأمن)، التي لا تفعل شيئاً إزاء اعتداءات الجيش الإسرائيلي، وإزاء اعتداءات عصابات المستوطنين، على فلسطينيي الضفة الغربية.

وفي الواقع، فإن بقية الاشتراطات مذلة ومهينة، فهي تطالب كيان السلطة بإدخال تغييرات جوهرية على المناهج الدراسية، بحيث تتم إزاحتها من السردية الجامعة، المؤسسة لهوية الفلسطينيين، والقائمة على النكبة، أي على طلب الحقيقة والعدالة، إلى سردية تتماشى مع السردية الإسرائيلية، بحيث يتم إخضاع التاريخ، أو لوي عنقه، لمصلحة السياسة وحقائق القوة، لا لحقائق التاريخ وقيم الحرية والعدالة، بخاصة أن الأمر يصل إلى حد منع السلطة الفلسطينية من تغطية حاجات أهالي الشهداء والأسرى والمعتقلين، بحيث تجري معاقبتهم، بدل معاقبة إسرائيل التي تقتل وتدمر وتشرد في الفلسطينيين.

لا يستنتج من هذا الكلام أن على الفلسطينيين رفض تلك الخطة التي باتت تحظى برضى عربي وإقليمي ودولي، وإنما هذا فقط لتوضيح الحقائق، وملاحظة أن ثمة محاولة لإعادة الفلسطينيين إلى النقطة الصفر، تقريباً، بعد ستة عقود من الكفاح، والمعاناة، والتضحيات، في عالم لا يتأسس على قيم الحق والعدالة، بقدر ما يتأسس على حقائق القوة، والغلبة، وهو شعار نتنياهو، عن فرض السلام بالقوة، وعن التركيز على أمن إسرائيل أولاً، وعلى الأمن الاقتصادي، فقط، كحل للفلسطينيين، وهي المبادئ التي تقف في خلفية خطة ترامب.

من جهة أخرى، يمكن التعامل مع خطة ترامب باعتبارها وصفة، ليس لحجب مسؤولية إسرائيل عن حرب الإبادة الوحشية ضد الفلسطينيين فحسب، وإنما لتبييض صفحتها بعد أن باتت مدانة سياسياً واخلاقياً، أمام الرأي العام العالمي، وأيضاً لتهدئة التصدعات في إسرائيل ذاتها، بسبب سياسات نتنياهو الداخلية والحربية.

في المحصلة، فإن كل الوعود للفلسطينيين، التي تتضمنها خطة ترامب، لن يكون حظها أفضل من تلك التي تضمنها اتفاق أوسلو، وها هو نتنياهو بعد عودته إلى إسرائيل، يصرح علناً أن لا انسحاب كاملاً من غزة ولا دولة فلسطينية.