طرابلس في صلب مشروع النهوض والتعافي – المنطقة الاقتصادية الخاصّة كبوابة استراتيجية لاستعادة موقع لبنان الإقليمي والدولي

مقالات 12-09-2025 | 05:22
طرابلس في صلب مشروع النهوض والتعافي – المنطقة الاقتصادية الخاصّة كبوابة استراتيجية لاستعادة موقع لبنان الإقليمي والدولي

يشكّل القانون الرقم 18/2008 إطاراً قانونياً محفّزاً لجذب الاستثمارات، من خلال ما يلحظه من تهيئة بيئة تنظيمية مبسّطة، وتيسير في آليات منح التراخيص، وتأمين التسهيلات الإدارية

ساحة النور في مدينة طرابلس.

طرابلس في صلب مشروع النهوض والتعافي – المنطقة الاقتصادية الخاصّة كبوابة استراتيجية لاستعادة موقع لبنان الإقليمي والدولي
ساحة النور في مدينة طرابلس.
Smaller Bigger

محمد عالم
محامٍ والشريك الرئيسي – عالم وشركاه



في ظلّ الحديث في الأروقة عن مناطق اقتصادية خاصة في الجنوب اللبناني، وفي غزة، وفي ظلّ التحديات المتزايدة التي يواجهها لبنان، حيث يتداخل الانكماش الاقتصادي والأزمات السياسية مع عزلة دولية متنامية، تبرز مدينة طرابلس أحد الخيارات الواعدة لإطلاق مسار تعافٍ اقتصادي، يعيد للبنان مكانته على الخارطة الإقليمية والدولية، لا على صعيد الرهانات الجيو-اقتصادية فحسب، بل على المستوى الجيو-سياسي أيضاً.

ليس خافياً على أحد ان مدينة طرابلس عانت طويلًا من الحرمان وغياب المشاريع التنموية التي كان من المفترض أن تُؤمِّن لأبنائها فرص العمل وتستثمر موقعها الجغرافي المميّز ومواردها البشرية والطبيعية. غير أن هذه المدينة، رغم تاريخ التهميش، تختزن اليوم كلّ عناصر النهوض والتحوّل إلى رافعة وطنية أساسية في أيّ رؤية إنقاذية شاملة للبنان. وإذا كان لبنان يبحث عن سبيل لكسب موقع فاعل في ظلّ المتغيّرات الإقليمية والدولية الراهنة والتحوّلات العالمية الكبرى، فإن طرابلس هي إحدى البوابات الطبيعية لهذا التموضع الجديد.

تمتلك طرابلس موقعًا متميزاً على الساحل الشرقي للمتوسّط، وهي قريبة من الحدود السورية والعمق العربي من جهة، والأسواق الأوروبية عبر المتوسط من جهة أخرى، ما يمنحها فرصة فريدة لتتحوّل إلى بوابة اقتصادية. هذا الموقع يوفّر للمدينة مقوّمات تؤهّلها لأن تتحوّل إلى مركز لوجيستي إقليمي  (Regional Logistics Hub)، خصوصا إذا ما جرى استثمار تلك المقوّمات والاستفادة منها في إطار تأمين بنية تحتية متكاملة. هذه الإمكانات لا تشكّل فرصة اقتصادية وحسب، بل تحمل أيضاً بعداً استراتيجياً، إذ أن إدماج طرابلس في سلاسل القيمة والتوريد الدولية والإقليمي ((Value and SupplyChains، يصلح أداة طموحة لتعزيز التكامل الاقتصادي، في خضّم التنافس الدولي المحتدم على طرق الملاحة وسلاسل الإمداد.


من هنا، فإن تفعيل دور المدينة كميناء إقليمي رئيسي ومنطقة اقتصادية خاصة ومركز تجاري محوري، من شأنه أن يستقطب الاستثمارات الأجنبية والمحلّية، ويُنشّط التبادلات التجارية، ويخلق فرص عمل مستدامة، بما يساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية. إلاّ أن بلوغ هذا الدور يتطلّب إرادة سياسية واضحة وخطة اقتصادية متكاملة، تنطلق من رؤية وطنية تستثمر في طرابلس كمحرّك للنمووإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد الوطني.

انطلاقًا من هذا المنظور، وتزامناً مع صدور القانون الرقم 360/2001 المتعلّق بتشجيع الاستثمارات في لبنان، تقدّمنا عام 2001 باقتراح إلى الحكومة اللبنانية بضرورة إطلاق أول منطقة اقتصادية خاصّة في لبنان، في وقت كانت فيه المنطقة العربية، بما فيها دول مجلس التعاون الخليجي، تخطو خطواتها الأولى في هذا المجال. وقد جاء هذا الاقتراح انسجاماً مع التوجهات الإقليمية آنذاك، وإيماناً منا بأن لبنان، في ظلّ موارده المحدودة، بحاجة إلى أدوات تنافسية جديدة تعزّز موقعه الاستثماري. ولعلّ المفارقة أن العديد من الدول الغنية بالموارد مضت في إنشاء عشرات المناطق الاقتصادية الخاصّة، فيما بقي لبنان متأخراً عن اللحاق بمسار تفعيل أول منطقة من هذا النوع على أراضيه، رغم مرور قرابة ربع قرن على إطلاق هذه المبادرة.