المحقق العدلي وملاحقة القضاة بمعرض جريمة مُحالة على المجلس العدلي

مقالات 25-07-2025 | 05:24
المحقق العدلي وملاحقة القضاة بمعرض جريمة مُحالة على المجلس العدلي
ان قانون اصول المحاكمات الجزائية قد خص ايضا المجلس العدلي بأحكام خاصة (م 355 الى 367 ضما)، ومنها ان كل الدعاوى المتعلقة بالجرائم المحالة على المجلس العدلي
المحقق العدلي وملاحقة القضاة بمعرض جريمة مُحالة على المجلس العدلي
قصر العدل (انترنت).
Smaller Bigger

المحامي سليم جريصاتي
وزير العدل سابقاً

رفض القاضي المتقاعد غسان عويدات (النائب العام لدى محكمة التمييز سابقا) تبلّغ موعد جلسة استجوابه لدى قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار المحددة في 21 تموز 2025، حتى انه توجه خطيا الى النائب العام لدى محكمة التمييز القاضي جمال الحجار آخذا عليه انه ارتضى تنفيذ قرار المحقق العدلي المذكور باستجوابه في حين انه "مجبول بالخطأ الجسيم ومغلوط ومخالف للقانون"، وطالبا منه بالتالي تصحيح المسار والادعاء عليه أصولا ومقاضاته عملا بأحكام المواد 344 وما يليها من قانون اصول المحاكمات الجزائية (جرائم القضاة). 

ان هذا الموقف من شأنه ان يطرح السؤال الآتي: هل يشمل اختصاص المحقق العدلي جرائم القضاة بمعرض الملف الذي ينظر فيه ام ان هؤلاء يخضعون للاصول الخاصة بهم عند ارتكابهم جرما عملا بالنصوص القانونية أعلاه؟ ان هذا السؤال لا ينفي ان ثمة سؤالا يستوجب مقاربة منفصلة، وهو متعلق بـما اسماه القاضي عويدات "كف يد المحقق العدلي".

بادىء ذي بدء، نشير الى ان المحقق العدلي، عملا باحكام المادة 363 أ.م.ج.، انما يطبق الاصول المتبعة امام قاضي التحقيق ما خلا منها مدة التوقيف المحددة في المادة 108 أ.م.ج.، ما يعني انه لا يجور له ان ينهي التحقيق الا عند استجوابه المدعى عليهم جميعا ما لم يتعذر ذلك بسبب الفرار، او اذا ارتأى بتقديره ان ما تجمع لديه من ادلّة يكفي لمنع المحاكمة عنهم او عن اي منهم، فيصرف النظر عن الاستجواب.

وعليه، على قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار ان يحيل الملف الى النيابة العامة التمييزية، عند اكتمال استجواب المدعى عليهم او التعذر، وذلك من اجل وضع المطالعة بالاساس، حيث يعود الملف اليه تمهيدا لاصدار القرار الاتهامي.

ان اعتبار القاضي المتقاعد غسان عويدات، او أي من الوزراء، من النواب  او سواهم، الذين رفضوا تبلّغ مواعيد جلساتهم لدى قاضي التحقيق العدلي ولم يمثلوا لديه بصفة مدعى عليهم، فارين من وجه العدالة، من شأنه زعزعة البنيان القضائي الذي يحتاج الى تمكين مستدام، والمسؤولية هنا لا تقع على المحقق العدلي. ونشير في هذا الصدد، من باب الأمانة، ان ثمة قضاة مثلوا لدى المحقق العدلي وادلوا بدلوهم لديه، وبقيت التحقيقات على سريتها المطلقة من دون اي خرق.

فما هي المبادىء والنصوص التي  من المتاح الركون اليها للاضاءة  على هذه المسألة؟ 

اولا: ان المادة 344 من قانون اصول المحاكمات الجزائية تخص صراحة محكمة التمييز بالنظر في الجرائم التي يرتكبها القضاة سواء أكانت خارجة عن وظائفهم او ناشئة عنها او بمناسبتها. ان هذا النص  انما هو نص خاص بمضمون شامل. ان المواد التي تلحق (م 345 الى 354 ضمنا) تنص على الاصول الواجب اعتمادها بهذا الشأن.

ثانيا: ان قانون اصول المحاكمات الجزائية قد خص ايضا المجلس العدلي بأحكام خاصة (م 355 الى 367 ضما)، ومنها ان كل الدعاوى المتعلقة بالجرائم المحالة على المجلس العدلي والتي هي قيد النظر أمام القضائين العسكري والعادي انما تحال الى المجلس العدلي التي تشمل صلاحياته المدنيين والعسكريين على السواء انفاذا لمرسوم الاحالة (م 356 أ.م.ج.). ان هذا النص ايضا انما هو نص خاص  بمضمون شامل، ما يطرح سؤالا محوريا بالنسبة للنص الخاص الواجب تطبيقه بالافضلية على الآخر، وذلك من منطلق المبادىء الآتية: ان النص الخاص هو نص استثنائي، وان الاستثناء على الاستثناء لا يجوز قانونا Exception sur exception ne vaut ، وان الاستثناء يفسر حصرا L’exception est de droit étroit. 

ثالثا: ان بت هذه المسألة قد يتأتى، من حيث الشكل، من أن النصوص المتعلقة بالمجلس العدلي انما ترد في قانون اصول المحاكمات الجزائية بعد تلك المتعلقة بملاحقة القضاة، ملتصقة بها. 
اما في المضمون، فان النص المشار اليه اعلاه والمتعلق بانتفاء اي صلاحية للقضائين العسكري او العدلي العادي عند احالة الملف الى المجلس العدلي، حيث تتجمع جميعها لديه بمجرد صدور مرسوم الاحالة، لا يمكن ان نضفي عليه استثناء يتعلق بملاحقة القضاة والاصول الخاصة بهم. ان هذا النص المتعلق بنطاق اختصاص المجلس العدلي انما اتى على اطلاقه، بحيث انه يحاكي، بصورة مباشرة، مبدأ المساواة المنصوص عنه في الدستور لجهة انه ليس من تمايز او تفضيل بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات وان كل اللبنانيين سواء لدى القانون ومن دون اي فرق بينهم (مقدمة الدستور والمادة 7 منه). اضف الى ذلك ان الرؤساء والوزراء، باستثناء رئيس الجمهورية، والذين خصهم الدستور، وهو النص الاسمى، بنص خاص يحيلهم الى المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء عند ارتكابهم جرمي الخيانة العظمى والاخلال بالواجبات الوظيفية، انما يخضعون ايضا للملاحقة والمحاكمة وفق الاحكام التي انشأت المجلس العدلي والتي اشرنا اليها علاه، وذلك بمعرض الجرائم المحالة اليه، اذ ان المادة 70 من الدستور تنص على اختصاص جوازي وغير وجوبي، على عكس المادة 60 منه، وان المجلس العدلي ينظر في الجرائم الواقعة على امن الدولة الخارجي والداخلي والسلامة العامة والجرائم المنصوص عنها في قانون 11/11/1958 والمتعلقة بالفتنة المسلحة واثارة الحرب الاهلية والاقتتال الطائفي والقيام بالاعمال الارهابية، وهي جرائم خارجة اصلا عن دائرة اختصاص مجلس النواب اتهاما والمجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء ادانة او تبرئة، ذلك ان الدستور ينص فقط على جرمي الخيانة العظمى والاخلال بالواجبات الوظيفية على ما أسلفنا لاحالة الرؤساء والوزراء جوازيا على المجلس الأعلى المذكور.

رابعا: تبقى مسألة محورية قد تكون كلمة الفصل فيها، ألا وهي خصوصية اختصاص المحقق العدلي ومحوريته وذلك من منطلق ان صلاحية المجلس العدلي ليست مقيدة بمرسوم الاحالة كون المحقق العدلي هو الذي يجعل من المجلس العدلي، عند الاتهام، قابضا على اختصاصه القضائي، على ما أتى في قرار صادر عن المحقق العدلي بتاريخ 15/11/1994 في قضية المغدور الشيخ أحمد عساف حيث اعتبر، خلافا لمطالعة النائب العام العدلي في الاساس، ان مرسوم الاحالة الى المجلس العدلي لا يقيّد صلاحية هذا المجلس، بل قرار الاتهام الصادر عن المحقق العدلي. ان هذا الامر هو من الاهمية بمكان ان مرسوم الاحالة ذاته انما هو عمل حكومي غير قابل للطعن Acte de gouvernement، اي انه عمل محصّن بذاته، الا انه يبقى مرهونا بقرار المحقق العدلي لجهة ممارسة المجلس العدلي اختصاصه.

في الخلاصة، هكذا تتحدد المسؤوليات بمعرض الجرائم المحالة على المجلس العدلي ويتم تفادي تنازع الاختصاص القضائي، فتتحقق العدالة التي يستكين اليها المتظلمون جميعا والشعب الذي تلفظ الاحكام بأسمه من أعلى هيئة قضائية جزائية تنظر في جرائم خطيرة وصادمة، على ما هو تفجير مرفأ بيروت.