في ذكرى "وثيقة الأُخوّة الإنسانيّة"

مقالات 18-02-2025 | 05:23
في ذكرى "وثيقة الأُخوّة الإنسانيّة"
جميعَ الأديان والأنظومات الثقافيّة العَلمانيّة تختزن قدرًا جليلاً من المُثُل الروحيّة تتفاوت بتفاوت الاختبارات والبيئات والعمارات 
في ذكرى "وثيقة الأُخوّة الإنسانيّة"
Smaller Bigger

المطران كيرلس سليم بسترس

في الرابع من شهر شباط 2019 تمّ في أبو ظبي التوقيعُ على وثيقة مشترَكة بين فضيلة شيخ الأزهر الشريف أحمد الطيّب وقداسة البابا فرنسيس، بعنوان "وثيقة الأُخوّة الإنسانيّة من أجل السلام العالَميّ والعيش المشترَك". وقد أعلنا هذه الوثيقة "باسمِ الله الَّذي خَلَقَ البَشَرَ جميعًا مُتَساوِين في الحُقُوقِ والواجباتِ والكَرامة، ودَعاهُم للعَيْشِ كإخوةٍ فيما بَيْنَهم ليُعَمِّروا الأرضَ، ويَنشُروا فيها قِيَمَ الخَيْرِ والمَحَبَّةِ والسلام". وركَّزا على "مفهومَ المواطنة"، الذي "يقومُ على المُساواةِ في الواجباتِ والحُقوقِ التي يَنعَمُ في ظِلالِها الجميعُ بالعدل".
في إطار هذه المواطنة، يرى الدكتور مشير عون ضرورةَ التمييز بين ثلاث دوائر في العيش المشترَك: "الدائرةُ الأولى مشترَكةٌ بين جميع الناس، وهي دائرةُ الاعتراف بحقوق الإنسان التي نجحتْ الشرعة العالميّة في استخراج خلاصتها الجوهريّة في إثر قرونٍ من المعاناة الإنسانيّة. فالدائرة الأولى هي إذًا دائرة القيَم الإنسانيّة التي تقول بها شرعة حقوق الإنسان، ومن هذه القيم المساواة والحرّيّة والعدل والإنصاف واحترام البيئة". ويعتبر "أنّ هذه الشرعةَ تنطوي على المبادئ والأصول والأسس التي لا يستقيم من دونها الوجود الإنساني، الفرديّ والجماعيّ". 
الدائرة الثانية "تشتمل على المُثُل الروحيّة السامية التي تُنادي بها الأديان التوحيديّة وسائر الأديان الآسيويّة الكبار والروحانيّات الكونيّة، ومنها احترام هبة الحياة، والتناصح بالخير، والتغافر، والتآخي، والتراحم والتحابّ، والاستضافة، والتهذيب الخلقيُّ الروحيّ، والتضحية وبذل الذات والإخلاء الذاتيُّ في سبيل الآخرين. إنّها مُثُلٌ روحيّةٌ لا تملك شرعةُ حقوق الإنسان العالميّة أن تناديَ بها. ولكنّها لا تُناقض الشرعيّةَ العالميّة. لا ريب في أنّ جميعَ الأديان والأنظومات الثقافيّة العَلمانيّة تختزن قدرًا جليلاً من المُثُل الروحيّة تتفاوت بتفاوت الاختبارات والبيئات والعمارات. غير أنّ الثابتَ في هذا كلِّه قدرةُ هذه المُثُل على إغناء الوجود الإنسانيّ والارتقاء به إلى أعالي القمَم الكيانيّة". ويُضيف: "من أخطر الواجبات الروحيّة التي تقتضيها هذه المُثُل أن يُسارعَ أهل الأديان التوحيديّة إلى تجسيدها في حياتهم الفرديّة والجماعيّة قبل أن يُنادوا بها للآخَرين ويتشَّددوا في فرضها عليهم. ذلك بأنّ هذه الدائرةَ لا يُمكن أن تتَّصفَ إلاّ بصفة التفضيل الاستحسانيّ. 
أمّا الدائرة الثالثة فدائرة الاعتناقات الإيمانيّة والتصوُّرات اللاهوتيّة التي تحملها الأديان في استجلاء طبيعة المُطلَق، وقد حملتْه على معنى الكائن الإلهيّ المتعالي يطيب له أن يكشفَ عن ذاته كشفًا يهب الإنسانَ القدرةَ على بلوغ ملء الكيان وأصالة الانتعاش والسعادة. من ضروب الصوغ والسبك التي أنشأتْها الأنظومات الدينيّة الأقوالُ اللاهوتيّة التي تتَّصل بتصوُّر الجوهر الإلهيّ، والتوحيد والتثليث، ومكالمة الأنبياء، والتجسُّد والفداء، والخلاص والهداية، والدينونة والسعادة الأبديّة، وافتراض السنَد الإلهيّ المؤيّد العبادات والمعاملات. جميع هذه الاعتناقات ينغي أن تصونَها الأديانُ لذاتها، فلا تجعلها مادّةً للتبشير القسريِّ والتطبيق التاريخيِّ القاهر. ذلك بأنّها تصوُّراتٌ لا يختبرُها على حقيقتها إلاّ مَن انتمى إلى الدين من الداخل انتماءَ الاعتناق الحرّ، ومَن اغتذى من روحانيّة الدِّين الذاتيِّ هذا. لا يَصحُّ فيها أن يُطلِقَ عليها الناسُ صفةَ الحقِّ أو الباطل. إذ إنّها من الغيبيّات التذوُّقيّة، على غرار الجماليّات الفنّيّة الرفيعة المقام التي لا يجوز أن يقولَ الناسُ فيها قولَ التمييز والتصنيف المرتكز على مقولات الخطأ والصواب. ولا يجوز أن يحكمَ فيها العقلُ البشريُّ إلاّ في حالٍ واحدة، عنيتُ بها الحالةَ الشاذّةَ التي فيها تُعارض الاعتناقاتُ الإيمانيّة معارضةً صريحةً شرعةَ حقوق الإنسان، كأنْ يأتيَ كشفٌ إلهيٌّ يُبطِل المساواةَ بين الناس أو يُلغي حرِّيّةَ الإنسان الأصليّة". ويُضيف: "إذا اعتمدت الحضارات على وجه العموم، والأديان على وجه الخصوص، مثلَ هذا التمييز، تَهيّأ للناس المؤمنين أن يهنأوا بحياتهم مرَّتين: مرّةً حين يُسَرُّون باختبارهم الإيمانيِّ الذي يُنعِش كيانَهم، ومرَّةً أُخرى حين يفرحون بإقبالهم على الآخرين يستكشفونَهم عن مكانز اختبارهم الإيمانيّ المختلف" . 
في هذا الإقبال على الآخرين يكمن هدف الحوار المسيحيِّ الإسلاميّ. فالعيش المشترَك يرتكز على الدائرة الأولى، دائرة الشرعة العالميّة لحقوق الإنسان. وضمن هذه الدائرة تقوم المواطنة. ويبقى الحوار المسيحيُّ الإسلاميُّ سبيلاً للإغناء المتبادَل بين المتحاورَين، اللذين يشهد كلٌّ منهما عن اختباره الروحيِّ في علاقته بالله. فإنّ هدفَ كلِّ حوارٍ دينيٍّ ليس إقناع الفريق الآخر بضلاله، ولا بتأكيد كلِّ طرفٍ بأنّه يملك وحده الحقيقةَ المطلَقة. فالأديان على اختلافها هي طرقٌ متعدِّدةٌ للوصول إلى الله الواحد، الذي هو وحده الحقيقة المطلَقة.