الميثاقية: مفاهيم التحولات

الميثاقية: مفاهيم التحولات
Smaller Bigger

د. فريد الخازن

منذ نشوء الدولة في لبنان ولكل حقبة سياسية مفاهيم تعكس الواقع الراهن. في 1936 أطلق كاظم الصلح مفهوم الميثاق الوطني، اعتراضاً على موقف مؤتمر الساحل، الذي سار به لاحقاً رياض الصلح. جاء الاستقلال في 1943 متلازماً مع الميثاق الوطني، فلا شرق ولا غرب، بل لبنان ذو وجه عربي، مستقلّ عن الغرب، وتحديداً فرنسا، وعن الشرق، وتحديداً سوريا. 

حرب 1948 التي شارك فيها لبنان عززت الميثاق الوطني ولم تترك تداعيات سلبية وقتذاك. تبدّلت الأوضاع مع بروز عبد الناصر زعيماً عربياً واسع الشعبية والنفوذ ولا سيما بعد حرب السويس في 1956. أخذت القومية العربية مداها وباتت عروبة الوجه في لبنان بلا جدوى. تفاقم الانقسام الداخلي بين التيار الناصري الداعي إلى الوحدة العربية والمتمسكين بعروبة الوجه. أزمة 1958 تقاطعت فيها العوامل الخارجية والداخلية من جراء الصراع على السلطة بين الرئيس شمعون والخصوم، الذي اشتدّ بعد انتخابات 1957 النيابية المبرمجة.
لم تسلم دول عربية أخرى من الأزمات. الصراعات الحزبية في سوريا انتهت بإعلان الوحدة مع مصر في 1958. وجاء الانقلاب العسكري في العراق لينهي النظام الملكي الهاشمي، واشتد الخلاف في الأردن بين الملك والمعارضة الناصرية، ووقع الشرخ داخل العائلة المالكة في السعودية. انتهت أزمة لبنان بـ"ميثاق" الأمر الواقع بين مصر وأميركا، جسّده انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية.

حرب 1967 أحدثت الزلزال الأكبر. جيل كامل ممّن ثاروا على "جيل الهزيمة" في 1948 وتسلّموا السلطة، وقعوا في الهزيمة. انطلق "الكفاح المسلح" بديلاً من الجيوش النظامية، أقلّه بنظر التنظيمات الفلسطينية وداعميها. وسرعان ما تحوّل لبنان، بعد الأردن، ساحة المواجهات المفتوحة بين الفلسطينيين وأطراف ثلاثة: الأنظمة العربية والدولة وإسرائيل. دعمت الأنظمة العربية الفصائل الفلسطينية وعندما شكلت خطراً على بعضها، خصوصاً سوريا، تصدّت لها عسكرياً في 1976. وبين الدولة والثورة في لبنان كان النزاع حتمياً، بدءاً باتفاق القاهرة في 1969. وتواصلت الحرب إلى حين الاجتياح الإسرائيلي الواسع في 1982 الذي أدى إلى إخراج السلاح الفلسطيني من لبنان، تبعه الصدام السوري - الفلسطيني في الثمانينيات. في سنوات الحرب تعطلت الدولة والمواثيق ليحلّ القتل والدمار.