وقفات "النهار"
إعداد: مجد بو مجاهدلم تكن الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي نشبت بدءاً من الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 1987 قد علت صرخات غضبها بسبب احتدام المواجهة مع العسكر الإسرائيلي في يوم واحد فحسب، على الرغم من أن ما حصل شكّل التوتر الأكبر الذي أشعل الامتعاض الفلسطيني، فبدأ الغضب يومذاك بعدما تعرّضت حافلات تقلّ بعضاً من العمّال الفلسطينيين الذين أنهوا عملهم في إسرائيل متجهين نحو قطاع غزّة لهجوم، فإذا بشاحنة عسكرية إسرائيلية تهاجم حافلات العمّال في أثناء تفتيشها أمام حاجز إسرائيليّ، ما أسفر عن سقوط أربعة مواطنين ضحايا وجرح سبعة آخرين من سكّان مخيّم جباليا. لم يستطع الفلسطينيون أن يتلقّوا النبأ بسهولة، فإذا بالغضب الشعبيّ يتمدّد سريعاً خلال اليوم التالي، وإذا به يشمل أهالي الضحايا في مخيّم جباليا قبل أن يشمل أيضاً قطاع غزّة والضفة الغربية، خصوصاً خلال لحظات التشييع التي تزامنت مع احتجاجات شعبية فلسطينية لاقتها السلطات الإسرائيلية بتدخّل على نطاق الطائرات المروحية التي عملت على تفريق المعتصمين بالقنابل المسيّلة للدموع والدخانية، ما تسبّب في سقوط ضحايا فلسطينيين حينذاك، تبع ذلك إجراءات إسرائيلية حازمة حيث اتخذت السلطات تدابير منع التجوّل في مخيم جباليا بشكل أساسيّ.كانت تلك المتغيّرات النارية التي بدأت في خضمّها الانتفاضة الفلسطينية الأولى، لكن لا يمكن اختصار الأسباب التي غيّرت أحوال تلك المنطقة في حادث فجائيّ، إنما كانت التراكمات قد احتدمت طيلة سنوات، لم يستطع فيها الإسرائيليون والفلسطينيون أن يتعايشوا، فإذا بالضغوط الكثيرة تسبّب في انتفاضة فلسطينية. وتضاف إلى ذلك الرقابة على منظمة التحرير الفلسطينية والحصار العسكري الذي فرض على المواطنين الفلسطينيين ومخيماتهم، ما جعلهم يبحثون عن أنماط غير تقليدية للتأكيد على عدم موافقتهم على واقع المناطق التي يعيشون فيها، فإذا بهم يتخذون من الانتفاضة الفلسطينية طريقة للتعبير عن غضبهم. حتى أن الفلسطينيين اتخذوا قرار إعلاء صرختهم قبل عام من انتفاضتهم الأولى الكبرى، فإذا بهم يعملون في الأشهر التي سبقتها على بعض الانتفاضات المحدودة التي لم تخلُ من مواجهات داخل الأراضي الفلسطينية، هيّأت لمرحلة أكثر توتّراً وصولاً إلى انتفاضة الحجارة. وكان للجيل الفلسطيني الناشئ الذي تكاثر في تلك المرحلة أن حفّز على الانتفاضة الفلسطينية بعدما كان نشأ في فترة مخاصمة لإسرائيل، فكان هناك سعيٌ إلى إنهاء سيطرة الجيش الإسرائيلي على المناطق الفلسطينية. ولا يمكن إغفال الأوضاع غير المستقرّة التي عاشها الفلسطينيون تباعاً، فإذا بها تنحو في اتجاه الأسوأ تدريجاً، خصوصاً بعد اعتماد إسرائيل قانون الطوارئ، وحاجة الفلسطينيين للحصول على مقومات العيش التي قلّت تباعاً، تزامناً مع تضييق إسرائيلي.وعندما بدأت الانتفاضة الفلسطينية الأولى تلقى اهتماماً من القيادة الفلسطينية، حصل اقتراح تشكيل حكومة فلسطينية في المنفى، ما كان بمثابة بداية تفكير للعمل على إقامة دولة فلسطينية مستقلّة. وكان ...