كسر وميض الرصاص الخطاط ظلمة سماء مدينة طرابلس ليلة السبت ـ الأحد. هدوء حذر وصمت رهيب يستقبلك عند مدخلها.
ما إن تصل حي باب التبانة في المدينة حتى يتردد على مسامعك أزيز الرصاص بسبب حالة غضب تسود المنطقة بعد انتشال جثة طفلة محمد السمّاك الذي كان ما زال في عداد المفقودين.
أما على بوابة مرفأ طرابلس، فيتجمع الأهالي، وكلٌّ منهم يحمل حزنه ويتخذ زاوية على مساحة المكان. التغطية الإعلامية شبه معدومة لولا بعض المنصات التي تبث مباشرة. كلما ابتعدت عن البوابة يداهمك الظلام وصوت نباح كلاب استغربت وجود هذا الكم من الناس.
عند منتصف الليل وصل وزير الأشغال علي حمية وغادر المكان، لم ينتجعن هذه الزيارة ما يثلج قلوب الأهالي المنتظرين.

عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وصلتُ برفقة نقيب المحامين السابق ملحم خلف والناشط رشدي قباني. كان الأهالي يلتمسون من العسكر الموجود أمام مدخل المرفأ بعض الأجوبة حيال موقوفين أو أناس أنقذوا عند ساحل العبدة، لكن من دون نتيجة.
أعداد الركاب لم تكن معروفة حتى اللحظة، كل ما عرفناه أن المركب انطلق من منطقة القلمون. كانت الجهات الأمنية على علم بالرحلة من دون معرفة موعد الإبحار الذي تم تحديده في اليوم نفسه. على ورقة صغيرة من دفتر ملاحظات وبقلم أحمر جرى إحصاء الركاب من الموجودين. عندما كنا نردد أحد الأسماء لتأكيد لفظه كان يقاطعنا من تردد على مسامعه الاسم ليسألنا إذا ما كان من الناجين أم لا. أذكر الكثير من الأسماء التي كان أهلها يسألون عنها باستمرار كخديجة النمر والعميد دندشي وعائلاته ورياض دندشي والأسماء كثيرة.
كانت عيون الناس تنظر إلينا ولا ترانا، نرى فيها ضياع من وقْع المصيبة، وبحث في أعيننا عن فرص نجاة الأحبة.

في البداية أحصي قرابة 65 اسماً، ومما عرفناه أن الرجال كانوا يجلسون على سطح المركب وشرفته بينما النساء والأطفال كانوا في المقصورة لحمايتهم من الرياح الباردة في تلك الليلة، ما يؤكد فرضية غرق المقصورة بمن فيها في منطقة عمقها يصل إلى 400 متر.
لم يكن المركب من المطاط أو الخشب، بل كان من مادة الفيبرغلاس ومزوّداً بمحركين. وكانت وجهته السواحل الإيطالية حسب الرواة.
كان يمكننا أن نرصد بسهولة الدموع المحبوسة في المقل وغصة في قلب رجل ستيني من آل دندشي ينتظر ثمانية أشخاص من عائلته، فيما يتكلم شاب عن ابنته وزوجته وكيف استأجر لهما منزلاً مجهزاً في ألمانيا، كي لا يتعذبان بعد مشقة البحر واللجوء.
بين الجموع يضع شاب سوري نجا من الغرق حراماً صوفياً على كتفيه ويحاول أن يشرح للحضور مكان تواجده على مقدمة المركب، بينما كانت زوجته وأولاده الثلاثة في الداخل وهم في عداد المفقودين.
بعد جمع أسماء الركاب ممن حضر، لم يتم التحقق من عدد الناجين، كان لا بد من التوجه نحو أربعة مستشفيات في المدينة هي المستشفى الحكومي، النيني، الإسلامي ومظلوم.
توجهنا إلى المستشفى الحكومي مع شاب من الأهالي والذي يبحث عن خالته وعائلتها، فيما تولى أحد الشبان الذهاب إلى بقية المستشفيات مستخدماً دراجته النارية. عند مرورنا من أمام "محور الريفا" حوصرنا وسط إطلاق النار، ففتح لنا شبان مسلحون مسرباً محدداً كي نغادر منه قبل أن نقصد المراكز الأمنية في المدينة بحثاً عن موقوفين آخرين من الركاب.
ونتيجة لهذه الجولات استطعنا معرفة عدد الناجين، وكان من بينهم مفقودان تبيّن أنهما في قبضة الجيش، إذ أن الأول هو جندي فرّ من الخدمة والثاني هو صاحب المركب.
داهمتنا شمس الصباح سريعاً، نسي الناس تناول سحور الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك، إذ إن الحزن يمنع من تناول الطعام.
عندما وصلنا إلى بوابة المرفأ دعانا أحد الجنود إلى التحدث مع ضابط يتواجد في آليته عند المدخل، طلب منه النقيب خلف مصارحة الناس وطمأنتهم لكنه تعهد بإيصال الطلب إلى المعنيين.
رغبنا في مقارنة الأسماء التي بحوزتنا مع ما هو متوفر معهم، تفاجأنا بأن الأعداد التي بحوزة الجيش أقل مما أحصيناه، وهنا بدأت الأعداد تكتمل حيث ارتفعت تباعاً ولامست الـ 85 راكباً، وحتى هذا العدد لم يكن نهائياً.
حوالي الساعة الثامنة، لم يتحمل الأهالي الوقوف مكتوفي الأيدي، فتوجه بعضهم إلى محلة القلمون علهم يستأجرون مراكب صغيرة للبحث عن أحبتهم في المياه المالحة. كان الضباب البحري في ذاك اليوم كثيفاً، ما أثر على حركة الطوافات فوق الماء.
سلسلة من الاتصالات لم تجدِ نفعاً إلى أن تقرر فتح باب المرفأ أمامنا للحديث مع العسكريين المعنيين. استطاع النقيب خلف أن يستحصل على تعهد بإجراء تحقيق جدي وشفاف، وأكدّوا لنا أن البحث لم يتوقف منذ الليل وهم على اتصال بقوات الأمم المتحدة للاستعانة بطوافتها في عمليات البحث. هذا الكلام لم يبرد قلوب الأهالي الذين لم يغادروا البوابات الرمادية الكبيرة.
عند الساعة الواحدة تقريباً، بدأت سيارات الإسعاف تصل إلى المكان، كان الناس يسألون عن الناجين والضحايا وأيضا دون جواب. كل ما كنا نسمعه هو عن صورة الضحايا الطافين على سطح الماء. مع دخول سيارات الإسعاف ازداد عدد القنوات الإعلامية لتغطية الحدث مباشرة، وساد صمت تخرقه دقات قلوب الأهل المنتظرين الذين بدأوا بالتعرف إلى شهدائهم تباعاً.

غادرنا المرفأ عند الساعة الرابعة بعد الظهر. أربع عشرة ساعة بين الأهالي لم يجرؤ سياسي واحد من أبناء المدينة على زيارتهم. وحتى المرشحون غابوا هم أيضاً ومنهم من برر غيابه كي لا تندرج زيارته تحت عنوان الاستثمار الانتخابي.
يشيّع أبناء طرابلس المنكوبون أحبّتهم ولا يستوعبون هول المصيبة، ويطالبون بتحقيق بعد تطابق رواية الناجين من مركب الموت وإلا سنكون أمام صورة جديدة لتحقيقات مرفأ بيروت.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
كتاب النهار
5/3/2026 12:19:00 PM
علمت "النهار" أن الرياض أكدت للجانب اللبناني ضرورة التقدّم في السير بالمفاوضات مع إسرائيل، لكنها قلقة إلى حدّ ما من نزعة الجانب الأميركي إلى التسرّع في الدفع إلى لقاء الرئيس اللبناني ورئيس الحكومة الإسرائيلي.
لبنان
5/2/2026 11:27:00 PM
سجال واسع في لبنان بعد فيديو "ساخر"… وحذف المحتوى بإشارة قضائية
لبنان
5/3/2026 12:03:00 AM
توالت المواقف المستنكرة للإساءة الى البطريرك الرعي الذي تلقى سيلاً من الاتصالات المُدينة.
نبض