كيف عاقب العرب لبنان ولم يشاركوه في حمل الأثـقال
Smaller Bigger

لن يُصبحَ لبنان معادياً لأميركا في أي حالٍ من أحوالهِ وفي أي حالٍ من أحوالها. إنّه عرفها وجرّبَها. عرفته وجرّبته. تركته طوال ستة عشر عاماً من عمر الحروب ما بين ١٩٧٥ و١٩٩٠. وتولّى الوزير السابق هنري كسينجر تنفيذ سياسية حصر النار في لبنان كما قال وكتب وليس إطفاءها، في تلك المرحلة الكالحة من تاريخ لبنان.

هذا كلّه يعرفه اللبنانيون. وقد شاهدوا منذ أسابيع قليلة الخروج الأميركي من أفغانستان. كما شاهد من لا يزالُ يتذكّر تخلّيهم عن حليفهم الأقوى في المنطقة شاه إيران عام ١٩٧٩ على علمٍ ودراية بأن البديل هو الجمهورية الإسلامية. وعلى نحوِ ما كتب الرئيس الفرنسي الراحل فاليري جيسكار ديستان في مذكراته Le pouvoir et la vie (السلطة والحياة) بأنّ الرئيس الأميركي جيمي كارتر آنذاك، قال لمجتمعين معه في جزيرة غوادلوب الفرنسية في قمةٍ مصغّرة ضمّته مع رئيس وزراء بريطانيا جيمس كالاهان والمستـشار الألماني هيلموت شميدت وطبعاً جيسكار ديستان، قال لهم بأنه يفضّل آية الله الخميني على الشاه محمد رضى بهلوي... وذلك قبل أن يُصبح نظام الجمهورية الإسلامية ألدّ أعداء أميركا في المنطقة. والتاريخ القريب يتذكّر قرار الرئيس باراك أوباما التخلّي عن قراره بالخط الأحمر بالنسبة إلى سوريا في حظر استعمال السلاح الكيمائي عام ٢٠١٣. فتجاوز نظام الحكم الخط الأحمر الأميركي وحلّ بسوريا ما حلّ بها من ثمَّ ولم يتحرّك باراك أوباما.

لن يصبح لبنان معادياً لأميركا حتى وإن امتلأت شاشات ووسائل إعلام البعض بالدعوات اليومية في التحريض والكره على أميركا. فلا غالبية اللبنانيين ينساقون إلى مثل هذه الدعوات، ولا الأميركيون يطالهم التحذير. إذ في الوقت ذاته الذي كانت فيه أخبار السفن الإيرانية تملأ النشرات، كان وفد الكونغرس الأميركي يجول على المسؤولين اللبنانيين، مع السفيرة الأميركية دوروثي شيا التي لعلّها الدبلوماسية الأميركية الأصلب التي عرفها لبنان في تاريخ التمثيل الأميركي.

وإذا كان لبنان عصياً على عداوة أميركا، وهو يقارب بمساحته ولاية كونيتيكت، فذلك يعود إلى أسبابٍ يدخل فيها التاريخ البعيد مع التاريخ الحديث، مع العوامل الإنسانية والحضور اللبناني في أميركا. ويعود أيضاً إلى ذلك التمثال المرتفع على مدخل نيويورك، تمثال الحرية الذي هو شعارٌ لكلّ ما يمثّله لبنان. هذه هي باختصار قصة لبنان مع أميركا.

فلبنان لن يصبح ساحة صراعٍ بين أميركا وإيران. كلاّ. إنّه ليس مُعدّاً لمثل هذه المواجهات. إيران الإسلامية اختارت حليفاً لها نسجت معه علاقاتٍ على مدى العقود الماضية وذلك بتسهيلٍ واضحٍ من نظام الوصاية السورية آنذاك، إلى حدّ جعل لبنان وحده، من بين كل الدول العربية، ساحة الصراع الوحيدة مع إسرائيل. وذلك في الوقت الذي باتت علاقات تلك الدول إما مطبّعةً مع إسرائيل وإما أنها مهادنةً لها في الواقع. مع علم اللبنانيين بأن إسرائيل لعلّها تكره لبنان واللبنانيين بشكلٍ خاص كون صيغته وتجربته البشرية المتنوعة هي نقيض تجربتها. وهذا هو واقعٌ أدركه اللبنانيون العقلاء والمجرّبون، من أيامِ ميشال شيحا وحتى اليوم. "حذار حذار جارتُـنا الجنوبية. إن شأنها على تخومنا شأن الخميرة الفاسدة" قال ذلك الرؤيوي.