لم يحصل للتاريخ أن اعتذَرَ. لم يحصل لمجراهُ أن أبقى الجراح مفتوحة إلى أكثر من نضبِ الدموع وجفاف الدماء. لأنه على مرّ الزمان، كان هنالك دائماً من هو أقوى من الطغاة والظالمين وسفاحي الشعوب وهو النسيان. فالنسيان هو حليف الدهر الذي يتنقّل على خطى ما يرسم. وما يتمّ رسمه هو ما يحصل. والباقي هو من صنع الليل والنهار. وغداً تُشرق الشمس. وهكذا أشرقت الشمس على لبنان يوم الخامس من آب من العام الماضي بعد فاجعة اليوم السابق. كما كانت تُشرق بعد كوارث الحروب في لبنان طوال ستة عشر عاماً. وكما أشرقت بعد حروب العالم كلّه. فالغد هو كفيلٌ بكلّ شيء، كفيلٌ بإسدال الستار، وبخاصةٍ لمن يقبل بسدلِ الستار. مع الاختلاف الكبير في عالم اليوم ليس فقط في تراجع النزاعات المسلّحة وأنظمة الاستبداد في العالم المتقدّم، بل في تقدّم أولويات الركائز التي ترتكز عليها دول ذلك العالم، وفي طليعتها وضعُ حدٍ لذلك الطاغي القديم قِدم الأيام الذي استبدّ أجيالاً بالبشر وهو النسيان، بوقف زمانه. لذلك لجأت القوانين إلى ذلك التعبير السامي الذي اسمه "مرور الزمن". إذ بات من الصعب اليوم على الزمن أن يمرّ على الكثير مما يجري. في لبنان مرّ الزمن على الكثير. والعبارة التي استُعملت مراراً كانت "عفى الله عمّا مضى". والرئيس رشيد كرامه لجأَ إلى عبارة مشابهة في بيانه الوزاري في تشرين الأول ١٩٥٨ غداة أحداث السنة ذاتها حين قال "لسنا بحاجة للعودة إلى الماضي. فلقد عقدنا العزم على غسل هذا الماضي..." كانت بعض الضرورات تقضي بذلك، وبخاصةٍ حين يختلط "الميثاق" و"الوفاق" مع القانون ومقتضيات العدالة، وحين يمتزج الحلّ العشائري مع إرث ديزيريه دالوز وليون دوغي، وغيرهما من الذين قَرأَ في كتبهم نواب ووزراء ومسؤولون يتحدثون بلغة موليير ولكنهم وجدوا أنفسهم أحياناً منساقين إلى الحلول اللبنانية. كما لو أنّ "الميثاق" و"الوفاق" انعكسا بصورة تلقائية على أولوية المحاسبة، فوضعوها في المرتبة الثانية. حتى اليوم، والذكرى السنوية الأولى للفاجعة تحلّ بعد أيام، لم نشهد على طول التاريخ ...