يكاد لا يجتمع اثنان في لبنان إلا ويكون موضوع الانتخابات ثالثهما؛ لقد طغى صوت المعركة الانتخابية على كافة الأصوات، وشكلت كيفية تأمين الحواصل الانتخابية محورية اهتمامات هذا اللبناني دون منازع. فلا التلاعب بسعر صرف الدولار، ولا التضخم المالي وارتفاع الأسعار، ولا قضية محاكمة حاكم مصرف لبنان المركزي رياض سلامة، ولا التحقيقات في قضيّة المرفأ، ولا غرق المركب في طرابلس وضحاياه، هي من اهتمامات اللبناني اليوم، إذ جميعها باتت خارج السمع، وكأنها باتت في مهبّ النسيان، وأصبحت من ذكريات ذلك الماضي البعيد. مستغرب ما يحدث في لبنان الذي تختفي منه الأشياء، وكأنه جزيرة الروائية اليابانية "يوكو أوغاوا". وضعت أوغاوا روايتها "شرطة الذاكرة" عام 1994؛ تدور حوارات هذه الرواية على جزيرة مغلقة، وتتمحور حول ظاهرة غريبة تحدث في الجزيرة، وهي اختفاء الأشياء والأعضاء والمخلوقات، في ظاهرة غير طبيعية تثير فضول السكان وخوفهم وقلقهم لكنهم لا يلبثون أن يتكيّفوا معها، ويعتادوا القبول بها والخضوع لها. أليس وجه الشبه موجوداً بين لبنان الذي اختفت فيه المواضيع الحياتية الساخنة زمن الفترة الانتخابية، بدءاً من إذلال المواطنين في طوابير الذلّ، وصولاً إلى موتهم في مراكب الهجرات غير الشرعية، أمام مصلحة أحزاب السلطة لتأمين كتل نيابية تؤمّن لهم استمراريتهم في الحكم، وبين ما يحصل على تلك الجزيرة؟ دخل لبنان مرحلة الصمت الانتخابي، حيث يحذر القانون المرشحين ...