عناية عز الدين بين "التنمية والتحرير"… والتغيير
Smaller Bigger
هناك من يُغرِق مسألة تمثيل المرأة في نمطيّة مضخّمة، ربّما تكون قد ساهمت في اجترارها هفوات وتسطيح هذه المسألة الحقوقيّة، من قبل بعض صاحبات القضيّة أنفسهنّ.

ما جرى في جلسة اللجان النيابيّة المشتركة من رفض نقاش الكوتا، مرّ عابراً في بلد يعيش أسوأ أزماته الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي ساهمت في صنع حجج إضافيّة، لمن لا يعنيه تقدّم تمثيل المرأة في المؤسّسات، ولا يرى فيه سوى "وصفة تزيينيّة"، توصي بها الإصلاحات المطلوبة غربيّاً.

لم يكن الاتّفاق الجامع من الكتل النيابيّة، على تجاهل صوت النائبة عناية عزّ الدين ابن لحظته، بل هو تكريس لما تتّفق عليه هذه الكتل في الجوهر.
 
خلال جسلة اللجان الأخيرة، جرى التعاطي مع عزّ الدين بفوقيّة منفّرة، حين رفض طلبها مناقشة اقتراح تعديل مادّة في القانون الانتخابيّ، لصالح تكريس كوتا من 26 مقعداً للنساء، موزّعة مناصفة بين المسيحيّات والمسلمات. الفاقع لم يكن مواجهتها من نائب في "كتلة التنمية والتحرير"، ولكن أيضاً صمت نائبات من كتل أخرى.

في ردّات الفعل التي طالعتنا، انتصار لموقف عزّ الدين و"شجاعتها في مواجهة الذكوريّة"، وأخرى تضع ما جرى في خانة المسرحَةِ، على قاعدة أنّ الأخيرة كان يجب أن تنال موافقة الرئيس نبيه برّي أوّلاً، وأنّ اعتراضها على إسكاتها داخل اللجان أمكن أن يقابله موقف أكبر من تصريحات غاضبة أطلقتها إثر الحادثة، الى مواقف جادلت في مسألة الكوتا، ومدى محاكاتها جوهر الديموقراطيّة.

دعونا من سرديّة أنّ هويّة التمثيل السياسيّ تتقدّم على المسألة الجندريّة، وأنّ جنس من يجلس على الكرسيّ ليس مهمّاً بقدر ما يجب النظر الى الأفكار التي يحملها، والقدرة على التحرّر من التبعيّة. هذا نقاش قديم، وحصيلته لا توصل إلى نتيجة واحدة، لأنّ القضيّة ستبقى تتأرجح بين مستويين بالنسبة إلى من يرغب في تقدّم مجتمعه حضاريّاً.

نعم الهدف الأعلى يكمن في وصول رجال ونساء الى البرلمان، متحرّرين من الزبائنيّة والولاء الأعمى للزعيم، ولكن تجاهل واقع الأحزاب والمؤسّسات التابعة لها، لن يوصل الى ربح حاسم الآن. وبمعزل عما تمثّله الأحزاب في لبنان، بمعظمها، من ترهّل مؤسّساتيّ ودكتاتوريّة فاقعة، يبقى الحزب في فكرته مؤسّسة ديناميّة في المجتمعات، وفي صنع السياسات، وعمليّة إصلاح أساليب الحكم داخله، تحاكي الرغبة في التغيير على نطاق أوسع.

وعليه، فإنّ رؤية المزيد من النساء اللواتي يتقدّمن صفوف الأحزاب هو عمليّة مطلوبة، وكذلك الأمر في البلديّات والإدارات العامّة وسائر المؤسّسات. وتثبت التجارب أنّ القرار بتمثيل عدد أكبر من النساء هو بداية لتكريس الفكرة، أمّا غياب القرار فنتيجته تراجع حضور النساء، وتركيبة الحكومة الأخيرة خير دليل.

مثّلت النساء في الشارع التغييري والمطلبيّ ركناً أساسيّاً الى جانب الرجال، من موظّفات القطاعات المحتجّات على سلسلة الرتب والرواتب، الى ساحات 17 تشرين. ومن المحزن أن تسقط إحباطات الثورة ومآلاتها على انتخابات 2022، وتمثيل المرشحين/ات والفائزين/ات.

تنبغي الإشادة بموقف النائبة عناية عزّ الدين، ودعوة الأطراف المعنيّة بحقوق المرأة والإنسان الى أوسع ضغط على المجلس النيابيّ والأحزاب والمجموعات، لعدم التفريط بقضيّة تمثيل النساء في الانتخابات الآتية، وعدم جعل لحظة الانهيار القاتمة حجّة لجعلها أقلّ من ثانويّة.

كان يجب أن نكتب اليوم عن الظلام الدامس الذي يلفّ لبنان، نتيجة سياسات فاسدة على مدى عقود، لكنّ مسألة تمثيل النساء بدت فصلاً مهمّاً أيضاً في مواجهة الظلام وصانعيه.
ِ
@dianaskaini
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية