نحن تاريخُ هذه الأمّةِ الفَخمُ ونحن المكانُ... والسُّكّانُبدوي الجبليصعب على القلم السيرُ بين الكلمات، وقد كمنت الأشلاء وراء كل حرف، وفار الحبر دماً بريئاً يتدفق في الوجدان، ووجوهاً غالية تطلُّ من نوافذ الأحزان. كيف لنا أن نجامل ونتجامل، وفي الغداة يمر عام على الكارثة فكأن الشيء لم يكن، حيث صفاقة السِّحَن على حالها، وسماكة الجلود، وبلادة الأخلاق، والخطاب الهمجي المتقنع بابتسامات مستفزة، بل ما زالت الأشداق فاغرة كجهنم نقول لها، هل امتلأت، فتقول هل من مزيد، وكذلك اللامبالاة الشامتة التي "تصول بلا كفٍّ وتسعى بلا رجلِ"؛ هل يجوز للقلم إذن، أن يتعثر بريشته كلما هبَّ الهوى عليه، أو مالت به العاطفة عكس تدافع التيارات العميقة، أم عليه أن يخرج إلى الورق كل ما في جوفه من صدق وصراحة؟! صباح الأحد الواقع فيه 25 تموز الماضي وجَّهْتُ رسالة صوتية عبر "صوت كل لبنان"، إلى دولة الرئيس المعتذر سعد الحريري، قارَبْتُ فيها الودَّ كثيرًا وجانبتُه قليلًا، لكنني استفتيتُ فيها بحسي وحدسي أنينًا ونقدًا وغضبًا وحبًّا ووفاءً ورغبةً نقيةً في انتهاج مسيرة وطيدة الأسس صريحة الدروب والمنعطفات واضحة الأهدف ساطعة الانتماء الوطني. وحرصت في تلك الرسالة على تبيان الفرق الشاسع بين مضمونها والحملات اليومية المنسقة والمركزة التي يتعرض لها الرئيس الحريري، فشتان بين الجِدِّ والعبث، وبين الإنصاف والتجني، وبين الحرص والتهديم. وعلى الرغم من صداها الحسن في محيط واسع، وجدتُ من يلومني على توقيتها الذي قد يُصَنِّفني قوسًا مكملةً لدائرة الحصار المضروب على ذلك المقيم غالبًا وسط الأزمات. لكن، لأنَّ قوسي مستقلةٌ عن أيِّ دائرة، وسهمي للإشارةِ لا للرماية والغدر، فها أنذا اليوم مستكمل ما بدأت، مقلِّلًا من الكلام المنمَّقِ الذي يخفي معانيَه كما يُخفي الجبلُ بأسَه بقفّازِ نبات، محاولًا أن أظهِّرَ حقيقةَ الصورة التي تُرْشَقُ بالظلال والظلام، وتُشَوَّهُ بالألوان النابية، في غمرةٍ من خَطَرِ الانجراف إلى المنزلق السحيق. أما البداية فهي التأكيد "لكل من يهمه الأمر" أن سعد الحريري ليس داعشيًّا ولا متعصبًا ولا متنكرًا لإرث أبيه العروبيِّ اللبناني وَليِّ العروة الوثقى بين طوائف لبنان، صديقِ الكرسيِّ الرسولي وكراسيّ أنطاكية، الحريصِ على رونق الكنائس حرصَه على مسجد محمد الأمين، فلماذا إذًا تقع معظم وسائل المشاهدة والسماع في فخ بث موجة الكراهية نحوه، بما يفيد شبهة طائفية بغيضة لا يُمَوِّهُهَا مصدر تمويلها المعروف، ولا يبرئها من سوء النية؟ ثاني ...