الصين قبل أن تستيقظ
Smaller Bigger
إنّها الذهنيّات
كتب مكارتني:" لا شيء أكثر خداعاً من الحكم على الصين بحسب معاييرنا الغربيّة". أمّا فرنان بروديل فلقد اعتبر أنّ بعثة اللورد مكارتني تمثّل بالنسبة للتاريخ المقارن ولتاريخ الذهنيات لحظة مميّزة.
 
أرّخ آلان بيرفيت في كتابه المنشور في العام 1989 L’empire Immobile للبعثة الإنجليزيّة التي أرادت افتتاح التبادل التجاريّ والدبلوماسيّ مع الصين. يروي أنّ نابليون احتدّ ضدّ فكرة فتح الصين أمام التجارة الإنجليزية، فتوجّه الى مكارتني:" الدخول في حرب مع أمبراطورية شاسعة تملك موارد عظيمة، ستكون حماقة كبرى. بالطبع ستنجحون في البداية، سوف تتغلّبون على سفنهم وتقضون على تجارتهم. لكنّكم ستسمحون لهم بالتعرّف إلى قوّتهم. وأردف مقولته الشهيرة: "عندما تستيقظ الصين سيرتجف العالم".
 
تساءل حينها بيرفيت، لكن لماذا لم تتحقّق نبوءة نابليون حتّى الآن!!
 
طبعاً كان عليه الانتظار لعقد أو عقدين. فالتنّين الأصفر كان قد بدأ تثاؤبه قبل أن يستيقظ ويغزو أسواق العالم ويحتلّها ببضائعه الرخيصة كما التكنولوجيّة، وليتحوّل الى ثاني أكبر قوّة اقتصاديّة ويشرّع ببناء قوّته العسكريّة.
 
لزم الصين زمناً كثيراً كي تستفيق. فمن زمن البعثة أواخر العام 1792، وحتّى العام 1971، عندما سُمح لأوّل بعثة رسميّة غربيّة بدخول الصين بعد 5 سنوات من إعلان الثورة الثقافيّة، صُدم بيرفيت من التشابه الغريب بين سلطة الدولة الشيوعيّة مع تلك التي احتكّ بها مكارتني. ظلت الطقوس متشابهة، وظلّت السلطة على حالها بعد 170 عاماً!
 
الحزب لبس دور الأمبراطور وحلّ فكر ماو وكتابه الأحمر محلّ فكر كونفوشيوس ومدوّنة القوانين الصينية Ta T’sing Leu Lee.
 
إنّ ما لا يتقدّم، يتأخّر
قراءة كتاب بيرفيت الآن تفيد بفهم بعض جوانب من الذهنيّة الصينيّة ونظرة الصين الى نفسها والى العالم. فعلى سبيل المثال، عندما عرض أحد الرهبان مجسّم الكرة الأرضيّة لأوّل مرّة على بعض الصينيين لم يعلّقوا سوى: الصين صغيرة جدّاً!! فبالنسبة لهم تشغل الصين مركز الكون. ولا يوجد شيء خارجها سوى العدم.
 
كان الغريب الذي يدخل الصين يُمنع من الخروج كي لا ينسج مؤامرة ضدّ الأمبراطوريّة فتهدمها. وصعوبة تهريب بيوض دودة القزّ ونبتات الشاي معروفة. لذا على الغرباء الخضوع لتقاليد البلاد وتعلّم اللغة والعادات والبقاء في الصين الى الأبد. أوامر الأمبراطور: "أنّ على من يريد المجيء والبقاء والدخول في خدمتنا يجب أن يبقى دون إمكانيّة العودة الى بلاده، ولن يستطيع الحصول على الإذن للتحرّك بحريّة ولا يقوم بتبادل الرسائل". إذن يصبح وجوده من دون فائدة. حتّى الصينيّ الذي يترك الصين يخشى العودة اليها لأنّه يُعدّ خائناً. هذه هي القواعد غير المرنة للأمبراطورية السماوية التي يحكمها ابن السماء. الغرب يهدّد الهويّة التي يحفظها التمسّك بالتراث. فطقس السجود للأمبراطور، التي رفضه مكارتني، شكّل أحد عوائق التواصل الجوهرية. وهو طقس لا يمكن التخلّي عنه مطلقاً مع أنّهم يقدّمونه كأمر تافه يمكنك تنفيذه!! التناقض هنا لا يعني لهم شيئاً.
 
الصين تبيع ولا تشتري لأنّها لا تحتاج شيئاً، هي عكس إنجلترا. التنّين ينفتح أحياناً ولكنّه يعود لينغلق بسبب عدم اطمئنانه. نفس المجتمع يخضع تكراراً للهدم ولإعادة التشكّل. أمّا إنجلترا فتطوّر مستمرّ. الطقوس هي أولويّة الصين. فإذا اهتزّ الطقس انهار بنيان الطاعة الذي يدعمه الولاء المطلق. لكنّه عدو التحسّن وبلوغ الأفضل بالطبع.
 
ارتأى فولتير بجدية، أنّ ما يجعل الصينيين فوق سائر شعوب الأرض، أنّ قوانينهم وعاداتهم ولغتهم التي يتكلّمها متعلّموهم لم تتغيّر منذ 4 آلاف سنة. وهذا ما يعاكس التطوّر والذوق الإنجليزي، المتعلّق بالحريّة والتقدّم، الراغب بنشرهما في العالم.
 
دعا أباطرة المينغ رعاياهم للعودة الى تعاليم كونفوشيوس في تقليد القدماء، ورفض التأثير الخبيث للأجنبيّ. أصدروا مرسوم الجمود في نفس اللحظة التي كان فيها الأوروبيّون، يستعيدون أنفسهم بعد جائحة الطاعون الأسود ويتهيّأون لاستقبال اللحظة البطيئة التي انتشلتهم من ظلمة القرن العاشر لبلوغ حدود العالم المعروف. ففي لحظة انتشار المغامرة الإنسانية على الكرة، كان الصينيّون يقفلون على أنفسهم متمسّكين بشعورهم بالتفوّق.
 
كي لا نغيّر لا نتبادل
أتى مكارتني ورفاقه حاملين اقتراح حركة تبادل فوجدوا مجتمعاً صينيّاً مقفلاً، بنظام مغلق، كامل، دقيق ومتطلّب. يخاطر كلّ من لا ينحني أمامه. نظام لا يمكن التهرّب منه إلّا بالغشّ والاحتيال أو الجمود- وانعدام الفعل، ونادراً ما يمكن ذلك بالمبادرة. التجديد ممنوع. تكفي العودة الى الأسلاف. في النصوص القانونيّة لكونفوشيوس الحلّ لكلّ صعوبة. ولا يجب تغيير أيّ شيء.
 
استطاع المنشوريّون وهم قلّة من 300 ألف، أن يحكموا 300 مليون إنسان ببساطة لأنّ البنية لا تتغيّر: بيروقراطيّة سماويّة وسيطرة التراتبيّة الجامدة.
 
كيف يمكن للصين أن تتطوّر دون أزمات؟ ومع خوف يحول دون أيّ مبادرة لا تكون متطابقة مع القاعدة السائدة؟ إنّه التصاق متطيّر بالعادات القديمة دون فحص مدى صلاحها. بعد نصف قرن كتب الأب هوك Huc: "حتّى الشخص الذي يملك عبقرية سيجد نفسه مشلولاً من فكرة أنّ جهوده ستلقى العقاب بدل المكافأة."
 
إنّ الاطّلاع على هذا الكتاب الذي أعدّه بيرفيت اعتماداً على آلاف الصفحات من مذكرات تلك البعثة التي فشلت في مسعاها للحصول على إذن بالتجارة الحرّة مع الصين، فمهّدت لحرب الأفيون الشهيرة. يسمح لنا بالاطّلاع على نمط التفكير الصينيّ الذي ظلّ قائماً لقرون دهريّة. ولا شكّ أنّه ترك آثاره حتّى الآن، ربما ما برهنت عليه جائحة كورونا، فالتمسّك بنمط الغذاء الألفيّ والتقليديّ كان أحد أهمّ أسبابها.
 
نهاية أسطورة
وصلت البعثة الصين إبّان الثورة الفرنسيّة. سبقتها عدّة بعثات لحثّها على الانفتاح. رغبت إنجلترا، التي بدأت تعتبر نفسها "الأمّة الأقوى على الكرة"، وهم شعب مكوّن من 8 ملايين نسمة، أن تتعامل مع الصين التي كانت تُعدّ 330 مليون نسمة – أي ثلث البشريّة - من الند للندّ. الصين التي كانت تعدُّ نفسها "الحضارة الوحيدة تحت السماء"، صدّت طلبهم بفظاظة. أمبرطوريّة السماء لا تعرف الندّية، فحتّى هدايا الملك الإنجليزيّ اعتبرت من فروض الجزية.
 
الاستنتاج أنّ ما حصل كان تصادم لغة وثقافة. وأفادت شهادات من حياديين، بوجود سوء الظنّ وسوء النيّة عند الصينيين من الأساس تجاه الإنجليز ورغبة بإحباط مساعيهم. يكتب بيرفيت أنّ الصينيين حتّى اليوم يصرّون على المجاملة وإظهار اللطف، حتى عندما يختبئ خلفها الكراهيّة وعدم الاتّفاق.
 
لقد اكتشف مبعوثهم صيناً مختلفة تماماً عن تلك التي جعلها عصر الأنوار مثاليّة، بحيث سمّيت حقبة L’europe chinoisé ثقافيّاً، وعمل على هدم الأسطورة والخدعة التي روّجتها الإرساليّات الكاثوليكيّة. الإعجاب المبالغ فيه بالصين أخفى جهلاً كبيراً بها. المعرفة بها نقلها الرهبان الذين لم يكتبوا ما يزعج الصينيين لإبقاء مؤسّساتهم فلا تتهدّد بالطرد. يعلّق بيرفيت أنّ كثراً من sinologues كرّروا نفس الفعل في صين ماو كي لا يقطعوا مصدر عيشهم.
 
يذهب سير توماس ستوتن، الذي رافق البعثة طفلاً، في مقدّمته مباشرة الى الهدف: "أنّ إقامة مكارتني القصيرة وبعثته في الصين، جعلتهم يكتشفون أنّ التفوّق على الأوطان الأخرى الذي ينسبها الصينيّون الى أنفسهم، ويقبل بها عدد من المؤرّخين الأوروبيين، كانت مضلّلة وزائفة تماماً. وبدأ "نموذج لا يحتمل" بالظهور، موميائيّ محجوز بطقوسه وغروره.
 
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.