تصوّر المتفائلون أن دول الخليج العربي ستتنازل عن شروطها للعودة الى لبنان، بمجرد استقالة وزير حليف لـ"حزب الله"، ليأتي من بعده حليف آخر، كما حدث من قبل. وأن تعود المساعدات المليارية من ودائع في البنك المركزي وقروض الى دعم مباشر لخزينة الدولة وبرامج تسليح ومشاريع إنمائية، إضافة الى فتح أبواب الاستيراد والتصدير، وعودة السفراء، وتحسن العلاقات الدبلوماسية، استجابة لوساطة الرئيس الفرنسي.
وفي المقابل، توقع المتشائمون أن يكون أقصى ما يمكن تحقيقه هو قبول الخليجيين بعدم اتخاذ أي إجراءات عقابية أخرى، كمنع التحويلات المالية الى المصارف اللبنانية، وإيقاف التعاملات البنكية معها. وهذا من شأنه أن يسبب مزيداً من الانهيار لليرة اللبنانية وودائع العملات الصعبة، وبالتالي الاقتصاد ككل.
وهم المتواكلين
مشكلة الطرف الأول أنه يمثل الحالة العربية المفرطة في تضخيم الذات، وترتيب أولوية قضاياها الوطنية على الساحة الدولية. فالقيادة الفلسطينية، مثلاً، تنتظر من العالم التوقف عن الحركة، ومن التاريخ عدم التقدم، حتى تحل مشكلتها الأزلية، حتى ولو كانت هي من أهم عقبات حلها. وكذا حال بعض النخب اللبنانية السياسية والإعلامية، فهي تعيش وهم أن الدول العظمى لا تنام الليل بحثاً عن حل لمعضلة ورّطوا أنفسهم فيها. وتسعى نيابة عنهم لفرض قبول الجيران سياساتهم، حتى ولو شكلت خطراً وجودياً عليهم.
وعليه، يتوقف المتواكلون عن بذل الجهد لإيجاد مخرج من الأزمات المفتعلة، والتي لا تخدم وتثري إلا مفتعليها، بانتظار أن يفتح العالم الأبواب التي تسببوا في إغلاقها، وحملهم على الأكتاف إليها. وعندما لا يتقدم الكون بهم خطوة الى جنة الخلاص، يحمّلونه المسؤولية، ويتهمونه بالتآمر، وينضمّون الى بكائيات اللطم والتطبير.
جهل المتشائمين
ومشكلة الطرف الثاني، أنه يتجاهل حرص الأشقاء على مساعدة لبنان، وتعاطفهم مع الشعب اللبناني، واهتمامهم بإنقاذه من براثن الفئة الباغية، وأن هناك تفريقاً واضحاً بين الموقف من حكومة احتلال ونهب وتدمير، ومن بلد شقيق محتل، وشعب مضطهد. وفارق صريح بين الالتزام بعدم دعم قيادات فاسدة، تدين بالولاء لملالي إيران على حساب البلد والشعب، وبين الحرص على مواصلة تقديم المساعدات الإنسانية بشفافية ومباشرة لمستحقيها، ودعم التوجهات الإيجابية للأفراد والجماعات الحريصة على استعادة مكانة بلدها على الخريطة العربية، وخروجها من دائرة الجحيم الصفوي وقبضة الهلال الشيعي.
خطأ الطّرفين
ونتائج زيارة الرئيس الفرنسي للسعودية ولقائه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان جاءت لتؤكد خطأ الطرفين. فالمبادرة السعودية الفرنسية أكدت شرطية عودة لبنان الى سياسة النأي بالنفس، واتفاق الطائف، والتزام قرارات الأممية بشأن التدخلات الأجنبية، والإصلاحات السياسية والمالية، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة. وعلى رأس القائمة، اشتراط أن لا يكون لبنان منصة لتصدير الإرهاب والمخدرات والانخراط في الصراعات الإقليمية، والتدخل في شؤون الغير.
أما المساعدات الإنسانية فهي لم تتوقف يوماً، فمركز الملك سلمان للإغاثة الإنسانية يتقدم المنظمات الدولية في دعم الشعب اللبناني واللاجئين السوريين. وفي ظروف مثل انفجار مرفأ لبنان وكورونا، سارع المركز الى تقديم الدعم الفوري، وحملت طائرات الشحن السعودية ملايين الأطنان من المواد الغذائية والطبية والاحتياجات اليومية الأخرى. والجديد في البيان، ربط هذه المساعدات بالمعايير الدولية للشفافية والنزاهة، واتخاذ أعلى درجات التثبت من وصولها الى محتاجيها.
الحل يبدأ من بيروت
وهكذا اتضح للمتفائلين والمتشائمين على السواء، أن الطريق الى الأمام يبدأ من بيروت، لا من باريس أو واشنطن أو عواصم الخليج. فالخطوات الأولى ينتظرها العالم من الحكومة اللبنانية التي عليها أن تعود الى ورش العمل، وتنفذ المطلوب منها لتحرير البلد من مخالب الحزب، والاقتصاد من شبكات الفساد، والحدود والمنافذ والتجارة من سيطرة الميليشيات، والسياسة الخارجية من إملاءات إيران وسوريا.
وإثبات النزاهة والشفافية والعدالة يتطلّب إنجازات مثل استعادة الأموال المهربة الى البنوك الأجنبية، ومحاسبة الفاسدين، وعلى رأسهم القائمون على البنك المركزي، والبنوك التجارية، وتسليم المتهمين بانفجار المرفأ واغتيال رفيق الحريري وغيره من الذين عارضوا الاحتلال السوري وهيمنة وكلاء إيران.
حصر السّلاح واحترام الدّستور
كما يجب تنظيم الانتخابات النيابية في موعدها بإشراف أممي، وعدم الاستجابة لمطالب "حزب الله" بحرمان المغتربين من المشاركة، وفرض تغييرات دستورية تخدم مصالحه. وعلى الشعب بكل فئاته التصويت بضمير وطني وليس بولاء حزبي أو طائفي، والتظاهر السلمي لدعم الخطوات الحكومية الصحيحة، وللاعتراض على الخاطئة. وعلى الدولة حصر السلاح بيد الجيش وقوات الأمن، وتكليفه وحده مسؤولية الدفاع عن الحدود وإدارة المنافذ، والتوقف عن محاولة الالتفاف على اتفاق الطائف، المؤتمن على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، أو التمديد للرئيس ميشال عون بعد انتهاء مدته، أو توريثه المنصب لصهره.
هذه ليست شروط الخليج وحده، بل المجتمع الدولي أيضاً. فمنظمة الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي، والقوى العظمى، والدول المانحة، وأجهزة محاربة الإرهاب والمخدرات وغسيل الأموال والجريمة المنظمة، ومنظمات حقوق الإنسان، ومراكز الإغاثة الإنسانية، والبنك الدولي والصندوق الدولي، كلها تؤكد المطالب نفسها، وتطالب بصوت واحد بسرعة تنفيذها للتّمكن من تقديم الدعم لحكومة قابلة للحياة، صالحة للعمل، وقادرة على الإصلاح. ومن دون ذلك "كله" يفتح الله!
نُشر على "النهار العربي"
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
شمال إفريقيا
4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
كتاب النهار
4/15/2026 4:43:00 PM
بري يلتقي مع الرياض على منع الفتنة
اقتصاد وأعمال
4/14/2026 9:14:00 AM
كم بلغت الأسعار الجديدة؟
لبنان
4/15/2026 6:55:00 PM
تمّ إخلاء الفندق من النزلاء كإجراء احترازي...
نبض