متى الرؤيةُ بعين العراق؟

متى الرؤيةُ بعين العراق؟
العراق (أ ف ب).
Smaller Bigger
جواد الساعدي*بدون مقدِّمات: لا يكمنُ مأزقُ التغيير والاستقرار في العراق بأنظمته السياسية المتوالية، ولا بآليات تشكيل السّلطة فيه، فحسب، بل بالبنية الهُويّاتية والشعورية لأبنائِهِ، وبفهمِهم لطبيعةِ العلاقةِ بينَ الفردِ والمجتمع، كما بفهمِهِم لعلاقةِ الفردِ والمجتمعِ بالدولةِ الحديثةِ كمنظِّمٍ وراعٍ دستوريٍّ محايد، وبالخلطِ بينَ الدولةِ والسلطةِ المنحازةِ بطبيعتها لهذا المنحى العقائديِّ أو ذاك؛ كما يكمنُ المأزقُ بالجغرافيةِ السياسيةِ المحيطةِ ببلادهِم، وبتبدُّلاتِها المتعاقبةِ على خطِّ الصراعِ التاريخي؛ ويلعبُ العاملُ الأخيرُ الدورَ الأَهمَّ في المأزق، وفي مفاقمةِ عواملهِ الأُخَرَ. لا تزال فئةٌ كبيرةٌ من العراقييين تعتقدُ مثلًا أنَّ رئيسَ الوزراءِ مسؤولٌ عن حلِّ كلِّ المشاكلِ المتراكمةِ في المجتمع، وعليهِ أن يعالجَ كلَّ مشكلةٍ فرديةٍ فيه، وتَغفل عن أنَّ حلَّ المشاكلِ لا يأتي إلّا عَبْرَ بناءٍ مؤسساتيٍّ طويلِ النفس، قائمٍ على تشريعاتٍ قانونيةٍ وتنظيماتٍ إداريةٍ وقضائيّةٍ تتحملُ مسؤوليتَها كلُّ الجهاتِ الحاكمةِ من برلمانٍ وحكومةٍ وقضاء، وهي تحتاجُ إلى تناغُمٍ بينَ هذهِ السلطاتِ يقومُ في جوٍّ من الاستقرارِ على مشروعٍ وطنيٍّ ورؤيةٍ حديثةٍ للدولةِ ودورِها في حياةِ الفرد، في حينِ أنَّ واقعَ الحالِ يُشير بوضوحٍ إلى غيابِ هذا التناغُمِ بفعلِ الانقساماتِ الحزبيّةِ والطائفيّةِ المرتبطةِ بمشاريعَ خارجيّةٍ تُثير الكثيرَ من المعوِّقاتِ أمامَ إمكان خلقِ رؤيةٍ وطنيّةٍ قادرةٍ على حملِ مشروعِ الإصلاحِ والبناءِ في طريقٍ من الثَباتِ والرّسوخِ واليقين.ولا تزال فئةٌ أخرى كبيرةٌ أيضًا تعتقدُ أنَّ الصراعَ في العراق هو صراعٌ عقائديٌّ لا يساوي الوطنُ أمامَه شيئًا، بينما النّظرُ إلى الصراعِ على أنّهُ صراعُ عقائدَ والتعاملُ معه كذلك، يعني أنَّ الآخرينَ لهمُ الحقُّ في أن يرسموا ويخططوا أيضًا وفقًا للمنطلقِ نفسِه؛ وعلى هذا الأساس، سيكون من حقِّ التياراتِ العقائديّةِ في "المكوّناتِ" الأُخَرِ أن تستندَ أيضًا لامتدادتِها الطائفيةِ في الخارج ...