روسيا "المحاصرة" تجمع "شباب العالم" في سوتشي... جولة جديدة من معارك الحرب الناعمة؟
نجحت روسيا في أهدافها القريبة المدى، فجمعت ما يزيد عن 20 ألف شابٍ وشابة من أكثر من 190 دولة في المدينة الأولمبية في سوتشي على مدى 7 أيام، وهو ما تعتبره "إنجازاً" لدولة تعاني العزلة، ونظّمت الحلقات السياسية والثقافية والفنية والرياضية وحتى التكنولوجية، وإذ حرصت على التأكيد أن المهرجان شبابي ولا يحمل أي عناوين سياسية، إلّا أنها عرفت كيف ترد على الحملة الإعلامية "التشويهية" عبر الرسائل المبطّنة في المهرجان.
تدرك روسيا خطورة الحملة السياسية - الإعلامية التي يقودها الغرب ضدها، وخاصة الولايات المتحدة، مستعيناً بالشبكات الإعلامية الأوزن حول العالم، وهي حملات تندرج ضمن الحرب المندلعة، والتي تأخذ أشكالاً ناعمة حيناً وعسكرية أحياناً، وتهدف إلى تنميط صورة روسيا، وتصويرها دولة معزولة عن العالم سياسياً واقتصادياً، يحكمها نظام ديكتاتوري، وتخطّط لزعزعة الاستقرار العالمي.
واظبت الدعاية الإعلامية على رسم هذه الصورة عن روسيا منذ حقبة الاتحاد السوفياتي والحرب الباردة، انطلاقاً من الاختلاف السياسي الجذري والعميق حول أساليب الحكم ومبادئ الديموقراطية، والأنظمة الاقتصادية بين الشيوعية والليبرالية، ولكن محور الصراع كان النفوذ في العالم بين موسكو وواشنطن، وكان ميدانه كوبا، أفغانستان، سوريا، ليبيا، أفريقيا الوُسطى ودولاً أخرى.
منذ الحرب الأوكرانية، استعرت هذه الحملات، فحاول الغرب عزل روسيا سياسياً، وفرض عقوبات اقتصادية، وامتد الصراع إلى الحقول الثقافية، فحرمها من المشاركة في فعاليات عالمية وحظرها عن وسائل التواصل الاجتماعي، وهي محاولات لـ"محو" موسكو عن خريطة العالم السياسية والثقافية، وتصوير الدولة الأوراسية على أنها "الشر الأخطر" للغرب وعليه، ورسم صورة نمطية تعلق في الأذهان.
انطلاقاً من أهمية هذه الحرب وخطورتها وتبعاتها على شباب العالم، بدأت روسيا البحث عن مَنافس للتخفيف من الضغط، ومواجهة آلات البروباغندا الغربية، وكانت فكرة تنظيم نسخة جديدة من مهرجان الشباب العالمي في مدينة سوتشي على البحر الأسود، ليكون طريقة تستقطب فيها روسيا الشباب إليها، بعدما مُنعت من الوصول إليهم.

نجحت روسيا في أهدافها القريبة المدى، فجمعت ما يزيد عن 20 ألف شاب وشابة من أكثر من 190 دولة في المدينة الأولمبية في سوتشي على مدى 7 أيام، وهو ما تعتبره "إنجازاً" لدولة تعاني العزلة، ونظّمت الحلقات السياسية والثقافية والفنية والرياضية وحتى التكنولوجية، وإذ حرصت على التأكيد أن المهرجان شبابي ولا يحمل أي عناوين سياسية، إلّا أنها عرفت كيف ترد على الحملة الإعلامية "التشويهية" عبر الرسائل المبطّنة في المهرجان.
كما حرصت روسيا على أوسع مشاركة من خلال تأمين كل تكاليف الإقامة للجميع، بالإضافة إلى تذاكر سفر لعدد كبير من الحاضرين، وخصّصت المدينة الأولمبية بفنادقها ومنشآتها لهذا المهرجان، حيث تم تنظيم الحلقات والنشاطات، وكانت بتصاميمها شبابية تُحاكي أساليب عيش الشباب وتمضية أوقاتهم، من أصغر التفاصيل، أي المقاعد ومطاعم النقانق، إلى أكبرها، أي المسائل المطروحة، كما جنّدت آلاف المتطوعين لخدمة المشاركين.
وتنوعّت الحلقات التثقيفية ومواضيعها، لكن كان ثمّة تركيز على المسائل المرتبطة بمجموعة "البريكس" ودورها في إنشاء منظومة علاقات دولية سياسية واقتصادية موازية للمنظومات الغربية، كما مسائل أخرى مرتبطة بالحرب الأوكرانية وموجباتها كعملية استباقية تحمي الأمن القومي الروسي، وحلف "الناتو" وما له ما عليه، وكل العروض والحلقات كانت بلمسات روسية "بوتينية" واضحة.
حتى العروض الترفيهية لم تخلُ من الرسائل السياسية، ففي العرض الافتتاحي، تم تخصيص أكثر من نصف ساعة لرواية قصص اجتماعية تحت عنوان، "ثمّة مكان للجميع"، رداً على محاولات الإلغاء التي تتعرّض لها روسيا، وتضمّن الحفل أغاني بكل اللغات، بينها العربية مع أغنية "سألوني الناس" لفيروز، فشعر المشاركون بالانتماء، وكأن روسيا لم تغيّب هوياتهم عن مهرجانها.
مرّرت روسيا الرسائل التي تُريد إيصالها إلى الشباب على طريقتها من خلال مختصين تحدّثوا بالشؤون المطروحة، والذين عبّروا عن أفكار حول الغرب والولايات المتحدة وسياساتهما التوسّعية المضرّة بدول العالمين الثاني والثالث، بطرق مباشرة وغير مباشرة، وحاولت تحسين صورتها، ونقل صورة عن روسيا الحضارية المتطوّرة التي تستقبل الجميع من دون تمييز، والتي تتمتع بقدرات في مختلف الميادين، ومنها التكنولوجيا، حيث السباق يحتدم.
وتخلّلت المهرجان محطات مهمة، بينها مكتبة ضخمة، ضمّت عشرات آلاف الكُتب، وطُلب من كل مشارك المساهمة في إغناء هذه المكتبة عبر وضع كتاب فيها، فكان لكل دولة بصمتها، كما ضمّ المهرجان مطاراً ومنشأة صواريخ للتطرّق إلى التقدّم الذي تُنجزه روسيا في عالم الفضاء، وآلات تعمل على الذكاء الاصطناعي لتأكيد مواكبة هذا التطوّر، بالإضافة إلى مختبرات للمشاريع الكيميائية والبيولوجية.
أما الحصّة الأكبر، فكانت لختام المهرجان، والكلمة النهائية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تحدّث عن الشباب والسياسة، وأوصل ما يدور في ذهنه بطريقة شبابية، فوصف المهرجان بأنّه واحة "صداقة وحرية وإبداع"، معاكساً الصورة الغربية لروسيا حول "العداء والقمع والتخلّف"، وأكّد أهمية "القيم والأم والأب" رداً قيم المثلية الجنسية الغربية، وشدّد على "المساواة" كميزة يفتقدها الغرب، والعمل على تحقيقها.
وللإشارة، فإن العناوين التي رفعها بوتين تُشكّل جزءاً من حملته الانتخابية الرئاسية التي تقوم على القيم الأخلاقية، العائلة والهوية الثقافية، وهي الميادين التي تواجه فيها روسيا معاركها الثقافية، انطلاقاً من تشبثها بالقيم التقليدية ورفض القيم المستوردة من الغرب، حول المثلية الجنسية وغيرها.
أصرّ بوتين على الحضور شخصياً إلى المهرجان، والتواصل مع الشباب، فنظّم حلقة حوارية قبل الحفل الختامي، وجال على أقسام المهرجان، وأصر على جعل الجميع يشعر بالمساواة، وعلى تصوير نفسه زعيماً قريباً من الناس، لأنّه يعلم أنها صورة ستعلق في أذهان الحاضرين الذين سيستغربون بعد لقائه الصورة التي رسمها عنه الغرب، وسينقلون إلى جماعاتهم في دولهم الصورة التي رأوها.
وأراد بوتين تحقيق أهداف بعيدة المدى، وانطلاقاً من علمه بأن جميع الحاضرين فاعلون في بلادهم بميادين السياسة والإعلام والتكنولوجيا وغيرها، أقر بوجود مشكلات اقتصادية واجتماعية وأمنية، لكنه اعتبر أن للشباب تأثيراً على السياسيين ليكونوا أكثر ميلاً إلى اتخاذ قرارات تؤدي إلى حل النزاعات، وبرأيه، هذا دور يجب أن يلعبه شباب المستقبل، وذلك من خلال الضغط على حكوماتهم بشتى الأشكال.
وفي ظل الحصار، ذكّر بوتين العالم بتاريخ روسيا في العلاقات الدولية، وقال: "لدينا تاريخنا الخاص من العلاقات الإيجابية مع العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم"، كما تطرّق إلى التقدّم العلمي الذي تُحرزه موسكو، وأكّد وجود "إنجازات طبية في العديد من المجالات، كجراحة القلب والأوعية الدموية، وبرامج واسعة النطاق لمكافحة السرطان والسكري"، وما يحمل ذلك من رسائل في اتجاهات مختلفة.
لا يذكر بوتين كل هذه النقاط السياسية والعلمية لتعدادها، بل لترسيخ فكرة مفادها أن روسيا تتمتع بتاريخ طويل، ومتطوّرة تحقق الإنجازات، ويحمل في تعداده رسائل إلى الغرب كان قد قالها مباشرةً في مناسبات سابقة، فحواها أن العقوبات لم تؤثّر على نشاطات روسية في العديد من الإنجازات، محاولاً إثبات فشل هذه السياسة التي لطالما انتهجها الغرب في العقود الأخيرة.
ولم يستثن بوتين الغرب من تصريحاته، فذكّر الولايات المتحدة وأوروبا بأن "الاتحاد السوفياتي حارب النازية والفاشية، ورغم الحرب الباردة، نجح الاتحاد والولايات المتحدة في بناء العلاقات الدولية وإنشاء النظام المعاصر للقانون الدولي في ظل توازن القوى، لكن بعد تفكّك الاتحاد السوفياتي، لم تبق سوى قوة عظمى واحدة، وهي الولايات المتحدة"، سائلاً: "كيف استفادت النخب من هذا الاحتكار وهذه السيطرة الأحادية على العالم؟"، منتقداً النظام الأحادي القطب.
لم يتوقف دور المهرجان الروسي – العالمي على الدعاية السياسية المباشرة، بل تعداها لتحقيق منافع اقتصادية وثقافية، إذ رغم التكاليف الباهظة التي أنفقتها روسيا لاستضافة هذا المهرجان، فإن حركة اقتصادية لافتة شهدتها مدينة سوتشي من خلال السياحة، وأخرى مرتقبة مع إعلان الكثيرين عن مخططاتهم لزيارة روسيا مرّة أخرى انطلاقاً من التجربة التي امتدت لأسبوع، بالإضافة إلى التسويق للجامعات الروسية وخدمات الطيران وغيرها.

مشاركون لبنانيون في الملتقى
إلى ذلك، لم تتوقف حركة المشاركين في المهرجان على نطاق المدينة الأولمبية، بل إن الوفود المشاركة نظّمت رحلات في أرجاء مدينة سوتشي، زار خلالها المشاركون مواقع تاريخية وفنية وبيئية، وتعرّفوا إلى الحضارة الروسية عن قرب، إلى العمارة والمسرح وحتى الحدائق والشواطئ، واستمعوا إلى الأغاني التراثية وشاهدوا الرقصات التقليدية، وقارنوها مع الحضارات الغربية، فلاحظوا الاختلافات الشاسعة بين البيئة الروسية المحافظة على قيمها التقليدية، والبيئات الغربية التي تُجاري التبدّلات السريعة للقيم.
اقتنصت روسيا وبوتين فرصة ذهبية، واستثمرا في المهرجان الشبابي سياسياً، وخطوا خطوة في مسار طويل لتبديل ذهنية عمل الغرب على هندستها طوال سنوات. لم يرد قيصر روسيا دعوة زعماء ولا مسؤولين دبلوماسيين، بل أراد دعوة الشباب، ليقينه بحجم تأثير هذه الفئة العمرية على السياسات، على المديين القصير والبعيد، وإن وافقه العالم أو اختلف معه، فإن بوتين جمع 190 دولة في روسيا المحاصرة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
الولايات المتحدة
5/2/2026 1:03:00 AM
أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
لبنان
5/1/2026 6:14:00 PM
أنباء أولية عن مجزرة في حبوش بعد إنذار إسرائيلي وغارات عنيفة: 10 ضحايا وعدد من الجرحى
لبنان
5/1/2026 8:38:00 PM
إسرائيل تنقل المواجهة إلى عمق لبنان… “المنطقة الصفراء” تشمل قيوداً على المدارس والتجمعات
نبض