فيما العالم منشغل على الأرض بحروب وأزمات سياسية واجتماعية واقتصادية في شتى بقاعه، فإنّ الأعين هذه الأيام تتطلّع إلى السماء. على غرار ستينات وسبعينات القرن الماضي، عاد سيل الأخبار المتصلة برحلات الفضاء إلى القمر للانهمار على الشاشات والصحف والمواقع الإخبارية، وبدلاً من السباق ثنائي القطب بين غريمي الحرب الباردة آنذاك، تحول الماراثون الآن إلى سباق عالمي مفتوح، تشارك فيه 5 دول بشكل رسمي، وعشرات الشركات الخاصة من دون ضوابط واضحة.
خلال الأيام الأخيرة فقط، تنافست مركبتان قمريتان على الأخبار، إحداهما يابانية هي "سليم"، التي نجحت في الخروج من "غيبوبة" دامت أسبوعين، بعدما تعرّضت لما يُعرف باسم "الليل القمري"، حيث هبطت على سطح القمر في 20 كانون الثاني (يناير) الماضي بزاوية حرجة، ما حجب ضوء الشمس عن الوصول إلى خلايا طاقتها الكهروضوئية، لتفقد بالتالي تواصلها مع محطة التحكّم الأرضية.

ويوم الاثنين، أعلنت وكالة الفضاء اليابانية "جاكسا"، أنّ "سليم" استأنفت نشاطها وقدرتها على التواصل، وتتأهّب للعودة إلى مهمّتها البحثية والاستكشافية. لتعود الاحتفالات في طوكيو بعد حزن قصير خلال مرحلة تجمّد "سليم".. حيث أصبحت اليابان رسمياً الشهر الماضي الدولة الخامسة على وجه الأرض التي تنجح في إنزال مركبة فضائية على القمر، بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي (قبل تفككه) والصين والهند.
وبالتزامن مع أخبار المركبة اليابانية، أعلنت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) الجمعة الماضية، أنّ مركبة "أوديسيوس"، التي صنعتها وتشغّلها شركة "إنتويتف ماشينز"، تمكنت من الهبوط قرب القطب الجنوبي على سطح القمر، وهو الهبوط الأول لمركبة أميركية على القمر منذ هبوط "أبولو" عام 1972.
زحام فضائي؟
والمثير هنا، أنّ "إنتويتف ماشينز" هي شركة فضائية ناشئة مقرّها هيوستن، وبنجاحها صارت أول شركة خاصة تنجح في الهبوط على القمر.
لكن من المقرّر أن يلحق بها آخرون سريعاً، إذ أعلنت "سبيس إكس"، المملوكة للملياردير الشهير إيلون ماسك، في منتصف شهر شباط (فبراير) الجاري، عن إقلاع صاروخ من طراز "فالكون9" ينقل مركبة أميركية خاصة للهبوط على سطح القمر، وذلك في مهمّة هي الأولى من بين 5 مهمّات خاصة إلى القمر هذا العام.
وطالما ذُكر ماسك، فيجب ذكر أبرز منافسيه في التقنيات على الأرض وفي الفضاء أيضاً، جيف بيزوس مؤسس "أمازون"، وأيضاً مؤسس "بلو أوريجين"، والأخيرة هي شركة طيران وفضاء اختارتها "ناسا" لتطوير نظام هبوط مهمّة "أرتيميس5" الفضائية، وكذلك لتطوير تقنية خاصة لإنتاج خلايا شمسية من غبار القمر. كما لا يجب إغفال "فيرجين جالاكتيك" البريطانية التي أسسها ريتشارد برانسون وتتخصص في مجال "السياحة الفضائية".
ويؤدي انخفاض تكلفة إطلاق الصواريخ إلى تغذية الطفرة في صناعة "الفضاء الخاصة"، وهي الصناعة التي من المتوقع أن تصل إلى حوالى 770 مليار دولار بحلول عام 2027، مع تقدير البعض أنّ شركات "الفضاء الجديد" يمكن أن تمثل جزءًا كبيرًا من السوق.
.jpg)
وفي هذا الإطار، تتوقع وكالة الفضاء الأوروبية أن تفوق عدد المهمّات الفضائية التي تستهدف القمر الـ 100 مهمّة بحلول عام 2030، موزعة بين المهمّات الحكومية أو الخاصة.
الصين متحمسة
ومن بين الدول الخمس التي حطّت على القمر حتى الآن، تبدو الصين الأكثر حماسة عبر برنامجها الفضائي "تشانغ إي"، الذي بدأ بمهمّتين مداريتين "تشانغ إي 1، و2" حول القمر في عامي 2007 و2008، ثم أول هبوط على سطح القمر عام 2013 بمركبة "تشانغ إي 3"، وبعدها في 2019 "تشانغ إي 4" التي كانت أول مركبة في التاريخ تخبط على "الجانب المظلم" للقمر. وفي عام 2020، نجحت "تشانغ إي 5" في الحصول على عينات من القمر وأعادتها على الأرض، فيما تخطّط "تشانغ إي 6" لإعادة هذه العينات وإجراء مزيد من التحليلات في شهر أيار (مايو) المقبل.. بينما في المنظور أن ترسل الصين رواد فضاء إلى القمر قبل نهاية العقد الحالي.
ويشير المحلّلون وخبراء الفضاء، بخاصة من الولايات المتحدة، إلى أنّ كثافة البرنامج الفضائي القمري الصيني وسرعة وتيرته، تعود بالأساس لمحاولة فرض "أمر واقع"، وإيجاد "موضع قدم" على القمر، استباقاً لأي محاولات أميركية لوضع قيود على السيطرة على القمر؛ وهو أمر متوقع خلال الشهور أو السنوات القليلة المقبلة على أبعد تقدير.

كنز القمر
فإلى جانب الهيمنة والبروباغندا والرمزية الأيديولوجية للوصول -والسيطرة- على أجزاء من القمر، وهي العوامل التي ميّزت بالفعل السباق الفضائي الثنائي السابق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، فإنّ هناك ثمة عوامل أخرى ربما تبرّر هذا السباق العالمي الجديد.
ومن خلال الأبحاث الجديدة، والاختبارات التي أُجريت على العينات التي تمّ جلبها بالفعل من القمر، فإنّ التربة تحتوي على كنوز وكميات هائلة من المعادن النادرة، تفوق تلك الموجودة على الأرض بمئات الأضعاف. وذلك إلى جانب ملايين الأطنان من "الجليد المائي"، الذي يُعدّ مصدراً محتملاً بقوة للأوكسيجين ويمكن استخدامه مستقبلاً كوقود، ما يؤهل القمر بقوة ليكون بمثابة "محطة مركزية" لانطلاق البعثات الفضائية إلى أماكن أبعد.
أما العنصر الأكثر إثارة وأهمية، فهو نظير "الهيليوم3"، والذي يمكن استخدامه نظرياً لتشغيل مفاعلات الاندماج النووي.. وهو عنصر شديد الندرة على الأرض، لكنه متوافر بكميات وفيرة على القمر، بحسب ميشيل هانلون، المديرة التنفيذية لمركز قانون الجو والفضاء في جامعة "ميسيسيبي"، والتي قالت: "لم نكتشف تماماً كيفية استغلال هذا العنصر أو نقله بعد. هناك الكثير من النظريات حول هذا الموضوع، ولكن بمجرد أن نكتشف ذلك، فإنّ "الهيليوم 3" الموجود على القمر يمكن أن يزود الأرض بالطاقة، الأرض بأكملها، لقرون عدة".
ويقدّر الخبراء أنّ حجم "الهيليوم3" على القمر قد يتجاوز مليون طن، فيما كل المتواجد على الأرض منه لا يتجاوز بضعة كيلوغرامات فقط.
وخلال السنوات المقبلة، قد يتبيّن للعالم ما إذا كان التوجّه بين الدول المتسابقة على القمر سيكون أقرب لشكل صراع الفضاء بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال سنوات الحرب الباردة منذ عام 1955 وحتى عام 1972، أم سيتحوّل إلى شكل تكاملي أقرب لما حدث بين الدولتين لاحقاً، سواءً مع مشروع "أبولو-سويوز" أو برنامج "شاتل مير" أو محطة الفضاء الدولية.
وحده الزمن قادر على إجابة هذه النوعية من الأسئلة، ويبقى السؤال الأبدي حائراً كما تركه محمد عبدالوهاب: "كلنا نحب القمر... والقمر بيحب مين".
نبض