في العام الماضي، برز تغيّر المناخ بشكل حاد في قسم كبير من العالم، فقد شهد الكوكب فترة الاثني عشر شهراً الأكثر سخونة منذ 125 ألف عام. فقد غمرت مياه الفيضانات المجتمعات من كاليفورنيا إلى شرق إفريقيا إلى الهند، وتسببت موجة الحرّ في أميركا الجنوبية في ارتفاع درجات الحرارة إلى أكثر من 100 درجة فهرنهايت (نحو 38 درجة مئوية) في منتصف الشتاء، وأدّت قبة الحرارة في معظم أنحاء جنوب الولايات المتحدة إلى ارتفاع درجات الحرارة لمدة 31 يومًا في فينيكس في ولاية أريزونا الأميركية إلى 110 درجات فهرنهايت (43 درجة مئوية).
وأدّى تكوّن ظاهرة النينيو، وهي الظاهرة الطبيعية التي ترفع درجات الحرارة على مستوى العالم، إلى تكثيف الطقس المتطرّف الذي عززه تغيّر المناخ بالفعل. وأحصت الولايات المتحدة وحدها كوارث مناخية بقيمة 25 مليار دولار في عام 2023، أي أكثر من أي عام آخر، ليصبح الناس أكثر قلقاً من أي وقت مضى بشأن ما يخبئه المستقبل في ما يتعلق بتغيّر المناخ.
وفي السياق، وخلال مقابلة مع "النهار العربي"، تقول رئيسة قسم دراسات التغيّر المناخي في الجمعية العلمية الملكية ربي عجور: "وفق تقرير التقييم السادس الصادر عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ 2022، فإنّ من الواضح أنّ التأثير البشري أدّى إلى زيادة درجات حرارة الغلاف الجوي والمحيطات والأرض".
وأشار التقرير إلى عدد من الحقائق، ومن بينها: "سجّلت درجة حرارة سطح الأرض ارتفاعاً بواقع 1.09 درجة مئوية أعلى خلال السنوات العشر بين 2011-2020 مقارنةً بما كانت عليه بين 1850-1900"، وأنّ "السنوات الخمس الماضية هي الأكثر حرارة على الإطلاق منذ عام 1850"، كما "تضاعف ارتفاع مستوى سطح البحر ثلاث مرات تقريباً مقارنة في الفترة بين 1901-1971"، وأيضا أنّ "موجات الحرّ أصبحت أكثر تكراراً وشدّة، في حين أصبحت الظواهر الباردة أقل تكراراً وأقل شدّة".

وبناءً على نتائج النمذجة المناخية، فقد رصد التقرير التأثيرات المتوقعة في المستقبل، فتنبأ بازدياد وتيرة حدوث بعض الظواهر المتطرّفة "غير المسبوقة في التاريخ"، من موجات حر وأعاصير وأمطار كثيفة وفيضانات وميضية وموجات جفاف، ومن المحتمل أن تكون هناك زيادات في حرائق الغابات في العديد من المناطق نتيجة لموجات الحرّ الطويلة. كما أنّ نقص الأمطار وزيادة الحرارة سيؤديان إلى التصحر وتدهور إنتاجية بعض المحاصيل الاقتصادية المهمّة مثل القهوة والكاكاو؛ وسوف نرى كثيراً من هذه التنبؤات متحققة خلال عام 2024، بحسب عجور.
في العام الماضي، قدّمت الدول والشركات على حدّ سواء وعودًا كبيرة في الأيام الأولى لمؤتمر الأطراف الثامن والعشرين لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيّر المناخ (COP28) في دبي. وأخيراً تمّ إطلاق صندوق الخسائر والأضرار الذي تبلغ قيمته 11 مليار دولار لمساعدة البلدان الضعيفة على التعامل مع تأثير تغيّر المناخ، والتزمت أكثر من 120 دولة مضاعفة كمية الطاقة المتجددة ثلاث مرات ومضاعفة كفاءة استخدام الطاقة خلال العقد المقبل. كما تعهّدت أكثر من 140 دولة أخذ انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة من النظم الغذائية في الاعتبار في خططها للتخفيف من آثار تغيّر المناخ.
وبذلت شركات النفط وعوداً كبيرة لمعالجة التلوث بغاز الميثان، والذي يمكن أن يكون أكثر ضرراً من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وفي نهاية المؤتمر حصل العالم على التزام تاريخي من جانب الأطراف بـ"الانتقال" من الوقود الأحفوري إلى الطاقة النظيفة.

وبحسب الحضور والمراقبين، فقد نجح مؤتمر“COP28”، وسط ظروف عالمية صعبة، في التوصل الى نتائج مهمّة في عدد من القضايا المعلّقة منذ وقت طويل، وإلى اتفاقات ومبادرات بتأييد عدد كبير من دول العالم. إلاّ أنّ العالم اليوم بحاجة لجهود أكبر وأعمق على كل المستويات لمواجهة الخطر المتزايد لتغيّر المناخ. وعلى الرغم من أنّ عام 2023 كان العام الأكثر سخونة على الإطلاق، إلاّ أنّ عام 2024 يبدو أنّه قد يكون أسوأ.
وشهد العام الماضي عدداً قياسياً من الكوارث التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات، اذ ضربت عاصفتان شديدتان النصف الشرقي من الولايات المتحدة في غضون أيام من النصف الاول من شهر كانون الثاني (يناير).
وبحسب الخبراء، لا يوجد سبب لتوقّع أن يكون عام 2024 مختلفًا مع تفاقم العواصف وحرائق الغابات وغيرها من التهديدات بسبب تغيّر المناخ. ولقد شهدنا بالفعل تراجع شركات التأمين عن تقديم التغطية التأمينية العادية في أماكن مثل فلوريدا وكاليفورنيا، من خلال إلزام أصحاب الأملاك بدفع رسوم إضافية لتأمين مساكنهم. وستستمر الأحداث المناخية والكوارث المرتبطة بالمناخ في التأثير على المجتمعات وتكبّد مليارات الدولارات من التكاليف. ومن الأهمية بمكان أن تستثمر المجتمعات وصنّاع السياسات على المستويات كافة في المرونة والمباني والبنية التحتية القادرة على التكيّف مع المناخ.
نبض