يعيش الساحل الأفريقي على وقع تطورات عدة وتغيرات داخلية إثر عشر محاولات انقلاب عسكرية خلال السنوات الثلاث الأخيرة هزت أركان عدد من دوله، ما طرح التساؤلات عن أسباب انتشار "عدوى" الانقلابات، والقواسم المشتركة بين هذه الدول، وعن الدور الفرنسي التاريخي في القارة السمراء.
فرنسا القوة الاستعمارية السابقة تفقد نفوذها التاريخي تدريجياً بعد خروج قواتها من مالي وبوركينا فاسو، وصولا الى النيجر، حيث أعلنت قبل ايام انسحاب آخر جنودها من هناك واغلاق سفارتها، في حين يزداد الحديث عن بروز تحالفات جديدة وقوى دولية استغلت الوضع كروسيا والصين.
على الصعيد الداخلي، تأثرت دول الساحل بسلسلة الانقلابات التي شهدتها المنطقة، إذ أدى وقف العمل بالدستور إلى تراجع دور الأحزاب، خاصة المعارضة منها، وسيطر العسكر على غالبية المناصب السيادية والحكومية.
أمنيا، واجهت الدول التي حدثت فيها انقلابات ارتفاعاً في الهجمات المسلحة، واستغلت جماعات متطرفة الانقلاب وانعدام الاستقرار في مناطق شاسعة بالساحل، لتنفيذ هجمات دامية في بوركينا فاسو والنيجر ومالي.

مصالح باريس في أفريقيا
تعتبر فرنسا الخاسر الأكبر من موجة الانقلابات العسكرية في منطقة غرب أفريقيا، بدءاً من خروجها من مالي بعد 11 عاماً من الوجود العسكري لقوة برخان المقدر تعدادها بخمسة آلاف جندي، وطرد السفير الفرنسي لدى باماكو، ثم مغادرة القوات الفرنسية بوركينا فاسو بعد الانقلاب العسكري في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2022، ثم أخيراً النيجر التي سارع العسكر فيها بعد انقلاب 27 تموز (يوليو) الماضي إلى المطالبة برحيل القوات الفرنسية، التي غادرت أراضي النيجر.
كانت فرنسا، ولعقود ممتدة، هي القوة الاستعمارية التقليدية في منطقة غرب أفريقيا، وحتى بعد تحرر هذه الدول من الاستعمار ظلت باريس لفترة طويلة تسيطر على ثرواتها وترتبط بعلاقات قوية بالأنظمة الحاكمة فيها، وفق ما تقول الباحثة المصرية المتخصصة في الشؤون الأفريقية الدكتورة نرمين توفيق، التي تلفت إلى أن "الفترة الأخيرة شهدت تغيرات كبيرة في هذه المنطقة، حيث خسرت فرنسا نفوذها في أكثر من دولة هناك، بعد الانقلابات المتعاقبة في منطقة غرب أفريقيا" منذ عام 2020.
وتشير الباحثة المصرية إلى أن رفض قادة هذه الانقلابات للوجود الفرنسي ساعين لتعزيز علاقاتهم بروسيا كبديل لفرنسا "مدعوم أيضاً بتوجه شعبي كبير يرحب بهذه الانقلابات، وهو ما عبّرت عنه مظاهرات عدة تنديداً بالدور الفرنسي، نظراً لأن شعوب غرب أفريقيا باتت تعتبر أن فرنسا استنزفتهم لعقود طويلة دون أن يستفيدوا منها".
وخسرت الاستثمارات الفرنسية فرصاً مهمة في منطقة الساحل الأفريقي بعد الانقلابات، بل وصل الأمر بفرنسا أن هددت بشن ضربة عسكرية ضد النيجر بمساعدة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا.
.jpeg)
أسباب الانقلابات
ترى توفيق أن النفوذ الفرنسي المتحكم في الأنظمة التي حكمت لسنوات طويلة سببٌ أساسيٌ في حدوث الانقلابات، كما أن "فشل الأنظمة الحاكمة في تحقيق الرخاء لشعوبها وانتشار الفساد السياسي، سهّلا على القادة العسكريين القيام بهذه الانقلابات".
ترى توفيق أن النفوذ الفرنسي المتحكم في الأنظمة التي حكمت لسنوات طويلة سببٌ أساسيٌ في حدوث الانقلابات، كما أن "فشل الأنظمة الحاكمة في تحقيق الرخاء لشعوبها وانتشار الفساد السياسي، سهّلا على القادة العسكريين القيام بهذه الانقلابات".
وتتحدث عن احتمال تغيير باريس لسياستها إثر هذه الانقلابات لجهة "احترام رغبة شعوب غرب أفريقيا، والتعامل معها وفقاً لمبدأ المصالح المشتركة، ووقف سياسة استنزاف موارد تلك الدول من نفط وغاز ويورانيوم وغير ذلك".
حدث تغير كبير في المشهد السياسي في هذه المنطقة الجيوستراتيجية (غرب أفريقيا - الساحل الأفريقي)، وقد استفادت روسيا بشكل واضح من استياء شعوب غرب أفريقيا من فرنسا، حيث تعزز روسيا وجودها هناك كبديل لفرنسا، وأيضاً كبديل للقوات الفرنسية في إطار بعثات مكافحة الإرهاب التي انسحبت من هناك.
وتتوقع الباحثة المصرية تسجيل "تنافس كبير على النفوذ في أفريقيا خلال الفترة المقبلة، ليس فقط بين روسيا وفرنسا وإنما ستنضم الولايات المتحدة والصين إلى المشهد، ليصبح الرهان أكثر على أنظمة الدول الأفريقية وامكانية تقديم مصالح شعوبها على مصالح هذه القوى الأجنبية من خلال التعاون الأفريقي المشترك".
.jpeg)
أبرز الانقلابات
آخر الانقلابات كان إعلان مجموعة من كبار ضباط الجيش في الغابون على شاشة التلفزيون الرسمي، الاستيلاء على السلطة وإلغاء نتائج الانتخابات بعد دقائق فحسب من إعلان فوز الرئيس علي بونغو (64 عاما) بفترة رئاسية ثالثة.
وهذا ثامن انقلاب منذ 2020 تشهده منطقة غرب ووسط أفريقيا.
وقبل الانقلاب في الغابون، كان أحدث انقلاب في النيجر، كما استولى ضباط من الجيش على السلطة في مالي وغينيا وبوركينا فاسو وتشاد.
في بوركينا فاسو، أطاح الجيش بالرئيس روك كابوري، في كانون الثاني (يناير) 2022، واتهمه بالإخفاق في التصدي لعنف متشددين إسلاميين، لكن الهجمات تزايدت مما أدى إلى انقلاب ثان، في أيلول (سبتمبر) 2022 واستولى قائد المجلس العسكري الحالي الكابتن إبراهيم تراوري على السلطة.
وفي أيلول 2021 أطاح قائد القوات الخاصة في غينيا الكولونيل مامادي دومبويا بالرئيس ألفا كوندي، وأصبح دومبويا رئيساً موقتاً وتعهد بإجراء انتخابات ديموقراطية في غضون ثلاثة أعوام.
أما في تشاد، فقد استولى الجيش على السلطة في نيسان (أبريل) 2021، بعد مقتل الرئيس إدريس ديبي في أرض المعركة أثناء تفقد قوات تحارب المتمردين في الشمال.
وفي مالي، أطاحت مجموعة من القادة العسكريين بزعامة أسيمي جويتا في آب (أغسطس) 2020، بالرئيس إبراهيم أبو بكر كيتا.
وفي ظل ضغط من جيران مالي الواقعة في غرب أفريقيا وافق المجلس العسكري على التنازل عن السلطة لحكومة موقتة بقيادة مدنية مكلفة بالإشراف على فترة انتقالية مدتها 18 شهراً، لكن قادة الانقلاب اختلفوا مع الرئيس الموقت الجنرال المتقاعد باه نداو ورتبوا انقلاباً ثانياً في أيار (مايو) 2021. وصعد جويتا الذي كان يشغل منصب نائب الرئيس الموقت إلى سدة الحكم.
.jpeg)
يتوقع مراقبون وخبراء في الشؤون الأفريقية مزيداً من الاضطرابات في أكثر من دولة شهدت انقلاباً أو محاولة انقلاب، كون الأمور فيها لم تُحسم تماماً والأوضاع الاقتصادية والأمنية لم تستقر بعد. ويرصد هؤلاء ما ستكون عليه طبيعة الصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، وما إذا كان سيتخذ طابع التنافس الاقتصادي فحسب أم سينسحب على الواقع الأمني والعسكري في حال طلبت بعض الأنظمة دعماً عسكرياً مباشراً في مواجهة التحديات المتصاعدة على أكثر من صعيد.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
لبنان
5/2/2026 7:19:00 PM
انتشار عدد من الصور المسيئة إلى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في حملةٍ تتجاوز حدود التعبير عن الرأي
نبض