17-08-2021 | 16:16

مالي... حين تدفع الشعوب ثمن المعادلات الجديدة

مثل الهجوم الإرهابي الأخير الذي شنه مسلحون في شمال مالي على بعض القرى، والذي تسبب بمقتل 40 مدنيا، حدثا فارقا في هذا البلد الإفريقي المحوري في محيطه باعتباره سيفتح الباب على مصراعيه للإنتقام والإنتقام المضاد.
مالي... حين تدفع الشعوب ثمن المعادلات الجديدة
Smaller Bigger
مثل الهجوم الإرهابي الأخير الذي شنه مسلحون في شمال مالي على بعض القرى، والذي تسبب بمقتل 40 مدنياً، حدثاً فارقاً في هذا البلد الأفريقي المحوري في محيطه باعتباره سيفتح الباب على مصراعيه للإنتقام والإنتقام المضاد. فبحسب البعض فإن ما حصل هو حلقة جديدة من مسلسل الفوضى الذي أريد لمالي أن تعيشه في هذا الوقت لغاية في نفس بعض القوى الكبرى المرابطة في هذا البلد المنكوب والتي لا تهتم للمدنيين الأبرياء العزل في سبيل تنفيذ مخططاتها. 
 
فمنذ أشهر تزامن انقلاب عسكري قام به قائد الجيش المالي هاشمي كويتا مع إعلان فرنسا إنهاء عملية برخان لمحاربة الإرهاب في المنطقة، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى التعبير عن انزعاجها ومطالبة فرنسا بالتريث والتراجع عن قرارها وعدم مغادرة الأراضي المالية. كما تزامن ذلك مع قيام تنظيمات إرهابية باستهداف قوات الأمم المتحدة والتسبب بمقتل جنود أمميين، وتزامن أيضاً مع عودة بعض الحركات الإنفصالية للطوارق، الراغبين في تأسيس دولتهم في إقليم أزواد شمال البلاد، إلى النشاط.
 
وقد رأى البعض حينها أن هذا التزامن بين هذه الأحداث جميعاً لم يكن من باب الصدفة، بل إن هناك طبخة يتم إعدادها لهذا البلد المنكوب لم تتوضح معالمها بعد وقد تستهدف الداخل وتتسبب في فوضى عارمة تؤدي إلى التسليم التام لمقاليد الأمور في البلد لبعض القوى العظمى. كما قد يكون الهدف من تفجير الأوضاع في مالي هو استهداف بعض دول الجوار وتهديد أمنها واستقرارها باعتبار الترابط الوثيق بين دول المنطقة من حيث المكونات العرقية، فقد انتشرت رقعة العنف في المحيط لتشمل النيجر وبوركينا فاسو حيث يتواجد الطوارق أيضاً. 
 
ويربط البعض أيضاً بين ما يحصل في مالي وبين التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبدالمجيد تبّون التي تحدث فيها عن مؤامرة تستهدف الأقاليم الجنوبية للجزائر يستغل أصحابها فقر سكان الجنوب ومشاكلهم الاجتماعية. والحقيقة أن أهالي جنوب الجزائر هم من الطوارق أبناء عمومة سكان شمال مالي الذين عادت تحركات بعض تنظيماتهم الانفصالية إلى التحرك في أزواد بعد شعورهم بوهن السلطة المركزية في باماكو ومعرفتهم بقرب إنهاء الفرنسيين عملية برخان المرتبطة بتواجدهم المباشر في الميدان.
 
ولعل ما يدعم فرضية أن هناك طرفاً ما يدفع بالطوارق ضمنياً إلى التصعيد والتلويح مجدداً بالإنفصال عن باماكو هو أن أعمال العنف استهدفت مناطقهم في الشمال من دون غيرهم من سكان البلاد وهو ما يثير العديد من نقاط الاستفهام. فالتنظيمات الإرهابية الناشطة في الصحراء الكبرى لم يسبق لها أن استهدفت المدنيين بالقتل الجماعي من طوارق شمال مالي، في حين سبق لميليشيات عنصرية تابعة لحكومات مالي المتعاقبة القيام بذلك سواء في عهد الرئيس موديبو كايتا أو المنقلب عليه موسى تراوري أو مع الطاغية أمادو توماني توري.
 
لقد أعادت هذه العملية إلى الأذهان ما كانت تقوم به جماعة غندكوي العنصرية من جرائم وممارسات دموية في السابق بحق الطوارق المغاربيين من ذوي البشرة غير الداكنة والذين ذنبهم الوحيد أنهم مختلفون شكلاً عن سكان أفريقيا جنوب الصحراء وأن فرنسا ضمت أراضيهم إلى الدولة المالية خلافاً لرغبتهم وهي تهم بمغادرة مستعمراتها في أفريقيا. وتعمل هذه التنظيمات العنصرية الدموية المسلحة، التي أذاقت الطوارق الويلات قتلاً وتعذيباً وتهجيراً على مدى عقود، تحت إمرة الحكومات المالية التي كانت وما زالت راغبة في التخلص من الآخر، ساكن الشمال، رغم أنه يرابط في أراضيه التي نشأت فيها حضاراته منذ أقدم العصور.
 
وبالتالي فإن أصابع الاتهام عن هذه المجزرة تتجه صوب الرئيس الحالي، الجنرال العسكري المنقلب منذ أشهر معدودة هاشمي كويتا المنتمي إلى مؤسسة عسكرية تعادي في عقيدتها الطوارق المغاربيين، وارتكبت ضدهم عمليات إبادة وتهجير قسري لا تحصى منذ استقلال مالي إلى اليوم. لكن لا يبدو أن كويتا يتحرك من تلقاء نفسه باعتباره ليس صاحب القرار في مالي، فهناك أطراف خارجية تتحكم بقراره، وهو ما يدركه القاصي والداني سواء في مالي أم في محيطها القريب أم في عواصم القرار المتدخلة في شؤون هذا البلد.   
 
وبالتالي فإن ضحايا قرى كارو وأوتاغونا وداوتيغيفت الأربعين، لا يبدو أنهم قتلوا برصاص التنظيمات الإرهابية التقليدية مثلما يتم الترويج لذلك، بل على يد تنظيمات قريبة من السلطة مارست عنصرينها على الطوارق خلال العقود الماضية متهمة إياهم بأن أجدادهم كانوا أداة لدى البلدان المغاربية للمتاجرة بأجداد الماليين وبيعهم كعبيد في أسواق النخاسة. في المقابل يصر البعض على أن من ارتكب هذه المجزرة هي فعلاً التنظيمات الإرهابية ذات التوجه الديني الأصولي لكن تم دفعها إلى ذلك دفعاً من خلال إغرائها بالمال أو بأشياء أخرى على غرار تسهيل معاملاتها في تجارة المخدرات أو الهجرة السرية أو غيرها من قبل القوى المهيمنة على مفاتيح الصحراء الكبرى.
 
إن ما هو أكيد أن مالي ومحيطها، بما في ذلك البلدان المغاربية المجاورة لها، مقبلة على سنوات عجاف شبيهة بالعشرية التي مرت، باعتبار أن مختبرات صنع القرار في العواصم الكبرى لن تتوقف على ما يبدو عن العبث بالمنطقة التي باتت شعوبها فئران تجارب لطبخات هذه المختبرات التي تبحث عن مصالح بلدانها. فما أن تتمكن هذه القوى من الهيمنة على جزء من ثروات هذه الشعوب ومدخراتها حتى تطمع بالمزيد، بأساليب جديدة ولاعبين جدد من البيادق الذين امتهنوا السمع والطاعة والإضرار بمصالح شعوبهم، وكأن هذه الأراضي الغنية بالنفط واليورانيوم والذهب وباقي المعادن مقفرة من الساكنين ويمكن استباحتها.
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.