11-02-2022 | 06:00

"ماما فرنسا" والمُستعمرات القديمة... هل حان وقت الرحيل!

الظاهر أنّ فرنسا لم تعُد بلداً مُرحبا به لدى الشعوب الأفريقية التي تُنفذ من حين لآخر تظاهرات احتجاجية رفضاً للهيمنة الاستعمارية التي أخذت أشكالاً متعددة بعد الاستقلال، وإلا ما كانت مالي لتطرد السفير الفرنسي من بلد انهكته الحرب.
"ماما فرنسا" والمُستعمرات القديمة... هل حان وقت الرحيل!
Smaller Bigger
الظاهر أنّ فرنسا لم تعُد بلداً مُرحباً به لدى الشعوب الأفريقية التي تنفذ من حين الى آخر تظاهرات احتجاجية، رفضاً للهيمنة الاستعمارية التي أخذت أشكالاً متعددة بعد الاستقلال، وإلا ما كانت مالي لتطرد السفير الفرنسي من بلد أنهكته الحرب، في حدث خلّف صدمة لدى ساسة هذا البلد الأوروبي المتعود على التدخل في الشؤون الداخلية لبلدان القارة السمراء.

يرصد المحلل والصحافي المالي إبراهيم جاغوراغا، في حديث الى "النهار العربي"، درجة الترحيب في الشارع المالي بقرار طرد السفير الفرنسي ويقول: "شعوب منطقة الساحل سئمت السياسة الفرنسية النيوكولونية، والدور الازدواجي الذي تلعبه باريس في ما يتعلق بملفات عديدة، على رأسها مكافحة الإرهاب، وفي علاقاتها الثنائية مع شعوب المنطقة التي تعاني من الفقر والأزمات، مقابل استفادة الشركات الفرنسية الكبرى من مقدرات البلاد عن طريق استخراج المعادن، مثل اليورانيوم والذهب وغيرهما من المواد المعدنية".

وفي حزيران (يونيو) الماضي، قرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إنهاء عملية "برخا" في منطقة الساحل الأفريقي، وتقليص عديد قوات بلاده من 5100 عسكري إلى ما بين 2500 و 3000، بالإضافة إلى الانسحاب تماماً من مدن تيساليت وكيدال وتومبوكتو.

وعَدّت باماكو هذا القرار أحادي الجانب من دون التنسيق مع الأمم المتحدة والحكومة المالية، وهو ما يعني فشل فرنسا من الناحية العسكرية والدبلوماسية، وبالتالي فإن بقاء هذا البلد الأوروبي وحلفائه لا ضرورة له.
 
وعي النخب
التطورات في مالي وبوركينا فاسو وبلدان أفريقية أخرى، تعكس برأي خبراء، تنامي درجة الوعي لدى الأفارقة الذين باتوا يرفعون شعارات خالية من لغة الخوف مثل "ارحلي يا فرنسا"، وهي ليست مجرد أصوات عالية للاستهلاك المحلي والخارجي، وإنما تحمل مشاعر الغضب تجاه فرنسا وحلفائها الغربيين وممارسات استعمارية لا تزال قائمة متجاهلة حقيقة السيادة الوطنية.

هل يمكن اعتبار ما جرى بين مالي وفرنسا مجرد عارض دبلوماسي سيحل قريباً؟ يبدو الأمر أعقد من ذلك بكثير لأنّه ليس عاديا أن تطرد عاصمة إفريقية فرنكوفونية سفير فرنسا لديها، لا سيما إذا كانت لباريس قوات عسكرية على أراضيها منذ 2013، وهذا ما يشير إلى تغير جذري على كل المستويات الفكرية والسياسية والاقتصادية.

للباحث والكاتب السياسي المغربي فوضيل التوهامي رأي في الموضوع، فـ"الملاحظ لتطورات المشهد السياسي المالي التي نالت استقلالها عام 1960 سيظهر له أن طرد السفير الفرنسي يعود إلى بعض التصريحات الفرنسية التي اعتبرها المجلس العسكري المالي معاديه له، لكن يبدو أن الخلاف وصل الى أشده بين الطرفين بسبب بعض توجهات  المجلس العسكري المالي، بخاصة بعد الانتشار الأخير للجيش الفرنسي على التراب المالي لمحاربة الحركات الجهادية".

"فرنسا تعتبر دائما هذا البلد الإفريقي، كما بلدانا أفريقية أخرى، حديقتها الخلفية، فهي تُعبر عن قلقها وانزعاجها حينما يختار القادة الأفارقة (مدنيون أو عسكريون) توجهاً لا يخدم المصالح الفرنسية، بمعنى آخر فرنسا لا تزال تفكر بعقلية الماضي الاستعماري رغم أن معطيات الواقع تغيرت"، يقول توهامي.

ويلفت توهامي في حديث لـ"النهار العربي" إلى "بروز نخب إفريقية ترغب في التوجه الانغلوساكسوني بعد فشل النموذج الفرنكوفوني، وقد لاحظنا هذا أيضا في دول أخرى في شمال افريقيا كالمغرب والجزائر وتونس". وهنا تمكن الإشارة الى اللغة الفرنسية التي لم تعد "العقيدة التربوية والتعليمية"، وهناك رغبة تسكن الجيل الجديد في تحرير اللسان وانفتاحه على لغات عالمية أخرى على رأسها الإنكليزية.

خيارات مفتوحة

اللافت للانتباه في اعتقاد الباحث المغربي، أن نفوذ "ماما فرنسا" تراجع بشكل كبير في القارة الأفريقية وذلك لأسباب عدة منها تعدد المنافسين في القارة السمراء، اذ لم تعد فرنسا هي اللاعب الوحيد بل أصبحنا نتحدث عن وجود الولايات المتحدة، تركيا، الصين، روسيا، وإسرائيل، بخاصة على المستوى الاقتصادي.

هذا ما يذهب إليه الباحث الجزائري في العلوم السياسية والعلاقات الدولية عادل أورابح، الذي يعتبر أنّ "طرد السفير الفرنسي الذي جاء نتيجة لعلاقات متشنجة بين الدولتين منذ إعلان الرئيس ماكرون عن بداية انسحاب قوة "برخان"، هو مؤشر فعلاً الى  اهتزاز مكانة فرنسا في الساحل، بخاصة أننا أمام احتجاجات شعبية غير مسبوقة ضد الوجود الفرنسي، ليس فقط في مالي وإنما حتى في بوركينا فاسو".

ويرجع أسبابه إلى "الدور السلبي الذي لعبته فرنسا في إفريقيا عموما من خلال دعم الكثير من الأنظمة الديكتاتورية. فضلاً عن ذلك فإن الوجود العسكري الفرنسي لم يمنع تركز الجماعات الارهابية في دول مجاورة كالنيجر وبوركينا فاسو وقيامها بعمليات كبيرة، رغم تحقيقه أهدافا معتبرة في مالي".

كما أن هناك لاعبين جددا يسعون الى التأثير في منطقة الساحل، بخاصة روسيا وإلى حد ما تركيا، ما يعطي للأنظمة هناك خيارات أخرى غير الخيار الفرنسي المحتوم، كما يلاحظ أورابح.

لا يبدو في الأفق القريب أن هناك إمكانا لخروج فرنسا من أفريقيا، كما يُشير الباحث الجزائري: "يجب التأكيد أن النفوذ الفرنسي ورغم تراجعه مرشح للاستمرار طويلا، لأن الدول الأخرى الساعية الى نفوذ هناك، مثل روسيا، غير قادرة على التأثير خارج المجال العسكري. بالإضافة إلى هذا، لا تبدو الجزائر، التي تلقت إشارات إيجابية من القيادة المالية الحالية، مستعدة للعب دور كبير في مالي خارج المجال الدبلوماسي. وهذه عوامل كلها ترشح استمرار الدور الفرنسي في المنطقة رغم الهزات التي يتعرض لها".

شعار المصلحة
من اليمين إلى اليسار، يعيش الساسة الفرنسيون واقع الصدمة، ويعتبرون أن مغادرة أحد دبلوماسيهم "إهانة" لبلدهم، وهنا يعتقد الباحث والأكاديمي الموريتاني بون باهي أنّ "الأفارقة بدأوا يبحثون عن مصلحتهم وتسوية مشاكلهم الداخلية بأنفسهم، وإثبات أنّ الوصاية الفرنسية آن لها أن تنتهي".

ويضيف لـ"النهار العربي": "المتتبع لما يحصل في أفريقيا يُمكنه الإدراك أنّ فرنسا لم تعد مرغوباً فيها في جميع المستعمرات القديمة، التي لا تزال ترزح تحت دائرة التخلف والانقلابات والمشاكل السياسية والأزمات الاجتماعية والاقتصادية بخلاف المستعمرات الأنغلوسكسونية التي تحسنت ظروفها".

من هذا المنطلق يرصد الباحث الموريتاني أنّ فرنسا تحصد نتائج سياستها المتناقضة وتعاونها مع الأنظمة التي هي نتاج الانقلابات العسكرية، اذ ظلت فرنسا لعقود تُنصّب الحكام، وتطيحهم متى أرادت، وبهذا أمسكت بأهم أداة لإقامة الأنظمة السياسية والإبقاء عليها لخدمة مصالحها الحيوية.

 ...حتى الشمال انتفض
أشكال الرفض لا تسري فقط على الشعوب التي تعيش حالة عدم استقرار وإنما حتى على سكان بلدان شمال أفريقيا، وهي الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، التي لم تعد تخفي انزعاجها من المستعمر القديم، وخير دليل رفع المتظاهرين الجزائريين في الحراك الشعبي (22 شباط/فبراير 2019) لافتات تدعو فرنسا الى رفع يدها عن الجزائر والكف عن التدخل في مقدرات البلد وثرواته. وهو السيناريو نفسه الذي وقع في تونس اذ رفعت في شوارع العاصمة في إحدى التظاهرات شعارات فيها "إرحلي يا فرنسا" بسبب اتهامات لباريس بالتدخل في الشأن المحلي.

وعاشت العلاقات الجزائرية - الفرنسية أزمة دبلوماسية حادة خريف عام 2021، نتج منها استدعاء الجزائر سفيرها في باريس لتعيده بعد قطيعة لثلاثة أشهر، في وقت لم تعلن السلطات الجزائرية عن السماح مجدداً للطائرات العسكرية الفرنسية المتجهة إلى منطقة الساحل بالتحليق في مجالها الجوي، بعد قرار منعها من ذلك في تشرين الأول (أكتوبر) 2021.

الأكيد أنّ الخلافات المتراكمة بين فرنسا والبلدان الأفريقية، هي تحوّل جديد في واقع العلاقات الدولية، وإن كان الوافدون على قصر الإليزيه لا يزالون يعيشون في حقبة نفوذ الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية التي تمخض عنها احتلال أربع دول مغاربية هي الجزائر، تونس، المغرب، موريتانيا، بالإضافة إلى بلدان غرب أفريقيا ووسطها كالسنغال، بوركينا فاسو، بنين، غينيا، ساحل العاج، مالي، النيجر، توغو، تشاد، جمهورية الكونغو، الغابون والكاميرون، التي تستيقظ على انقلابات من فترة لأخرى، وهو ما يعتبره ملاحظون "مخاضاً طبيعياً" في قارة يبحث مواطنوها عن حياة أفضل بعيداً عن الوصاية والاستغلال.
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.