تراجع أميركي نووي... فتّش عن الاتفاقيّة الصينيّة - الإيرانيّة
ما أشبه اليوم بالأمس، وما أشبه التسريبات الأميركية والردود الإيرانية، والعكس، بأجواء ربع الساعة الأخير ما قبل توقيع الاتفاق النووي بين طهران والدول الست عام 2015 في مدينة لوزان السويسريّة. كالراغب الممتنع يتصرّف الطرفان، وخلف سلوكهما هذا سياسات وحسابات اقتصادية وأمنيّة وعسكريّة دقيقة، تمتد من أميركا والغرب إلى الشرق الأقصى، مروراً بحروب وصراعات الشرق الأوسط.
لعبة المناورات
بعد جمود مرحلي في الملف النووي الإيراني، برغم اعتراف الرئيس الأميركي جو بايدن وإدارته، والمسؤولين في طهران، من أعلى هرم القيادة إلى أسفله، برغبتهم العميقة في العودة إلى أحضان الاتفاق، جاء النبأ من عاصمة القرار على شكل تسريبات إعلاميّة تتحدّث عن مبادرة أميركية جديدة لإحياء المعاهدة.
اقتراح واشنطن ينص على مطالبة إيران بوقف بعض أنشطتها النووية، مثل العمل على أجهزة طرد مركزي متطورة وتخصيب اليورانيوم حتى درجة نقاء 20 في المئة، مقابل بعض التخفيف من العقوبات الاقتصادية الأميركية.
سريعاً ردّت طهران، إذ نقل التلفزيون الرسمي كلاماً منسوباً لأحد المسؤولين يفيد بأنّ "بلاده لن توقف تخصيب اليورانيوم قبل أن ترفع واشنطن جميع العقوبات، بل ستخفض التزاماتها بموجب الاتفاق النووي بشكل أكبر"، ملوّحاً بأنّ الوقت "ينفد بسرعة"!
وضمن المناورة نفسها، ردّت الولايات المتحدة، على لسان مصادر رفيعة المستوى، كاشفة عن استعداد واشنطن "للعودة المتزامنة إلى الاتفاق النووي"، ما يمثّل تراجعاً كبيراً في الموقف الأميركي الرسمي، حيث كان بايدن مصراً على عودة إيران أوّلاً إلى التزاماتها قبل رفع العقوبات عنها.
التنّين يخرج... إلى المواجهة
هذا التطوّر المفاجئ في الملف دفع إلى التساؤل عن أسباب الاستعجال الأميركي لإحضار الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات، بعدما كان موقف البيت الأبيض صارماً لجهة عدم التنازل في الأسابيع الماضية، خاصة بعد التصعيد الإيراني في العراق وكردستان من خلال استهداف القوات والمراكز الأميركية الموجودة هناك. فما الذي حصل؟
تزامن الموقف الأميركي بشكل لافت مع توقيع وزير الخارجيّة الإيراني محمد جواد ظريف لاتفاق التعاون الاستراتيجي مع نظيره الصيني وانغ يي، السبت الماضي (27 آذار/مارس)، خلال زيارة الأخير طهران، والذي من شأنه أن يعمّق النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، ما اضطر بايدن إلى الخروج عن صمته قائلاً إنّ الشراكة بين الصين وإيران "تقلقني منذ سنوات".
اجتياح صيني
قلق بايدن المشروع من اتفاقية الـ400 مليار دولار بين عدوي أميركا اللدودين، دفع الأميركيين الذين شعروا أنّهم بدأوا يفقدون السيطرة إلى التحرّك، فالجمهورية الإسلامية باتت إلى حد كبير متفلّتة من العقوبات والحصار المفروضين عليها، وبالتالي فإنّ أوراق الضغط لوقف البرنامج النووي المثير للجدل بدأت تتساقط، وفي المقلب الآخر، فإنّ التنّين خرج من خلف سور الصين العظيم ليستبيح أوراسيا والشرق الأوسط غير آبه بالحسابات الأميركية، ومتخطياً "الخطوط الحمراء" التي رسمتها واشنطن، ما يوحي باتخاذ بكين خيار المواجهة بدلاً من لعب دور المتفرّج الذي أتقنته لسنوات طويلة، ويبدو أنّ استراتيجية بايدن المكمّلة لسياسات دونالد ترامب العدائية تجاه الصين دفعت الأخيرة إلى الجنوح نحو خيار المواجهة.
إنّ النظرة الأميركية إلى هذه الاتفاقية تتعدّى كونها وسيلة لتفلّت إيران من العقوبات عبر ارتمائها في أحضان الشرق، بعدما "خذلها الغرب" بحسب تعبير أحد المحللين الإيرانيين، فواشنطن تستشعر خطورة محدقة من تأمين طهران مصالح بكين وجلب الصينيين إلى سواحل الخليج وبحر العرب والمحيط الهندي، وتحديداً عند بوابة هرمز، في وجه الأسطول الأميركي الخامس المتمركز قبالة البحرين، مع ما يعنيه ذلك من قدرة أكبر للصين على الانفلاش الاقتصادي باتجاه العمق الأوروبي والعالم، وهذا تحديداً ما يؤرق الأميركيين الذين يسعون جاهدين لإسقاط مبادرة "الحزام والطريق" بكل السبل.
وللدلالة على خطورة الاتفاقية بالنسبة للولايات المتحدة، نرى أنّها نصّت على مشاركة إيران في توسيع إطار "الحزام والطريق" على المستوى الإقليمي، حيث يشكّل موقعها الجغرافي العصب الرئيسي في مسار الطموح الصيني، لذا فإنّ الاتفاقيّة تشمل أساساً العمل على تحويل ميناء تشابهار في أقصى الجنوب الشرقي من إيران إلى ميناء عالمي، وبعدها ستعمل الصين على تطوير ميناء بندر عباس في جنوب إيران، وربط الميناءين بشبكة من الطرق السريعة وسكك الحديد مع أقصى الشمال، بطول 1800 كم تقريباً. مبعث القلق هنا أنّ تشابهار وبندر عباس يقعان على مسار الحزام الجنوبي الممتد من شنغهاي إلى جنوب أفريقيا، والفكرة الأساسيّة هي ربط هذا الحزام بشمال البلاد ودمجه بطريق الحرير الممتد من شمال غرب الصين، مروراً بباكستان وجنوب القوقاز، على أن يؤدي إلى شرق أوروبا عبر تركيا.
الصناعة البتروليّة
أما بخصوص موارد الطاقة المهمة بالنسبة لـ"مصنع العالم"، فستكون الصين آمنة من التوترات مع أميركا في بحر الصين الجنوبي بهدف خنق طرق إمداداتها، بالإضافة إلى العقوبات والحصار الاقتصادي، بعدما ضمنت استمرار تدفق الصادرات النفطية الإيرانية إليها لربع قرن بقيمة مخفضة، حيث نشرت مجلة "بتروليوم إيكونوميست" عام 2019 تفاصيل عن المعاهدة التي يُعمل عليها منذ زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ لإيران عام 2016، وجاء فيها أنّ الصين ستتمتع بخصم يصل إلى 32 في المئة على مشترياتها من النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية، مع تأخير السداد لمدة عامين.
في المقابل، ستباشر الصين بتطوير الصناعة البترولية في الجمهورية الإسلاميّة المنهكة بسبب العقوبات.
نقطة أخرى مهمّة في الجانب الاقتصادي للاتفاقية، وهي أنّ إيران ستنضم إلى النظام المالي الدولي الذي تعمل الصين على إنشائه، بعيداً من المنظومة المالية الغربية، التي ترتكز بمعظمها على قوّة الدولار كعملة معتمدة في التجارة العالميّة. وبالتالي خلق عملة أو عملات موازية تُفقد العملة الخضراء تدريجيّاً قدرتها على التحكّم بالاقتصاد العالمي.
إذاً بعد الاجتماع الصيني - الأميركي العاصف في ألاسكا، وتعهّد بايدن بأنّه سيمنع الصين من أن تصبح الدولة الأغنى والأقوى، وبحثه مع العديد من حلفائه سبل تحقيق ذلك، فاجأ التنين الآسيوي الرئيس الأميركي بضربة تحت الحزام، خرق بها محاظير أميركا التي اضطرت إلى فتح أبرز الملفات الإشكاليّة العالقة، الملف النووي، علّها تعيد إيران إلى طاولة التفاهم مع الدول الغربية، أملاً بفرملة الطموح الصيني، فهل تنجح بذلك؟
نبض