قصص كثيرة هي التي نسمعها عن الحقيبة السوداء التي تلازم الرئيس الأميركي، أينما وُجد وفي أي وقت كان. البعض يطلق عليها لقب "الحقيبة النوويّة" والبعض الآخر يستخدم التسمية الشعبيّة الألطف، أي "كرة القدم النوويّة".
ترتبط هذه الحقيبة بتوازن الرعب القائم على "عقيدة الدمار المتبادل المؤكد"، فهي قادرة على إبادة العالم بثوان معدودة، وبكبسة زرّ، أو هكذا صوّرت لنا المشهد أفلام هوليوود ودونالد ترامب.
فالأولى نسجت عشرات السيناريوات حول "حقيبة الزر الأحمر" التي يسعى الأشرار للسيطرة عليها وتدمير العالم أو أميركا، ويستطيع البطل في النهاية أن يوقف عدّها التنازلي عند الثواني القاتلة.
أما الرئيس الجمهوري الذي رحل بالأمس عن البيت الأبيض، فقد شهد عهده واحدة من أغرب التغريدات المرتبطة بـ"كرة القدم"، إذ هدّد كيم جونغ أون باستخدامها ضدّ بلاده، متباهياً بزرّه النووي "الأكبر والأقوى" من الزرّ الموجود على مكتب زعيم كوريا الشماليّة. ومرسّخاً في الوقت ذاته الصورة النمطية للزرّ الأحمر في الحقيبة السوداء.
ترامب غادر أمس البيت الأبيض، حاملاً معه "الحقيبة النوويّة" التي أُغرم بها، دون أن يسلّمها للرئيس الجديد جو بايدن، ما اضطر السلطات الأمنيّة المعنيّة إلى تزويده بحقيبة أخرى بعد أدائه اليمين الدستوريّة في مبنى الكابيتول.
Football incoming. pic.twitter.com/Ww4wz1GbIE
— Mike DeBonis (@mikedebonis) January 20, 2021
ويبدو أنّ تمسّك الرئيس المثير للجدل بحقيبته المفضّلة ساهم بإعادتها إلى واجهة التداول الإعلامي، فما حقيقة الرفيقة الغامضة للرؤساء الأميركيين؟ وما الهدف منها؟ وهل تعمل حقاً بكبسة زرّ؟
حقيقة الزرّ الأحمر
تُعرف هذه الحقيبة رسميّاً باسم "حقيبة الطوارئ الخاصة بالرئيس"، وتتكون من هيكل قويّ من الألومنيوم مغطى بالجلد الأسود، ويبلغ وزنها حوالى 20 كيلوغراماً.
تمنح "آلة يوم القيامة"، كما يصفها البعض، الرئيس الأميركي القدرة على بدء هجوم نووي من أي مكان في العالم، عبر الجو أو الأرض أو البحر. وتُعتبر "كرة القدم النوويّة" بمثابة مسؤوليّة كبيرة تُمرر "بشكل شخصي" من رئيس أميركي إلى آخر، وتتمثل بالقدرة على شن حرب نوويّة، كما تُعتبر رمزاً للقدرة على الردع.
خلافاً للاعتقاد السائد، لا تحتوي الحقيبة في الواقع على "زرّ أحمر" من شأنه إحداث دمار شامل، بل الهدف منها تأكيد هويّة الرئيس، حيث يُسمح له بالتواصل مع مركز القيادة العسكرية الوطنية في البنتاغون الذي يراقب التهديدات النوويّة في جميع أنحاء العالم، والوصول إلى أنظمة القيادة والسيطرة وآليات التصريح بالرموز النووية، كما تعرض له قائمة مبسطة بالأهداف، وبذلك يمكنه أن يأمر برد فوري على أي تهديد.
"البسكوتة" الضائعة!
لا يمكن تشغيل "الحقيبة النوويّة" وإتمام مهمّة التحقق من هويّة الرئيس من دون استخدام الرمز السرّي الخاص به، لذا يحتاج من يريد استخدامها إلى "البسكوتة النوويّة" (The Nuclear Biscuit)، وهي بطاقة إلكترونية نشطة تستخدم لتحديد هويّة الرئيس.
أي أن "كرة القدم النوويّة" هي بذاتها نسخة احتياطية من مراكز القيادة والسيطرة الثابتة، مصممة بشكل خاص لاستخدامها عندما يكون الرئيس بعيداً عن تلك المراكز، ومنها "الغرفة المحصّنة" في البيت الأبيض التي يلجأ إليها الرؤساء في أوقات التهديد والخطر.
هذه الحقيبة الفتاكة، يحملها المساعد العسكري للرئيس بشكل دائم، ويسلّمها للمساعد الجديد. وتعاد برمجة "البسكوتة" لتحتوي معلومات الرئيس الجديد ومساعده العسكري الذي يخضع لتقييمات نفسيّة مكثّفة للتأكّد من أنّه على مستوى المهمّة فائقة الحساسية.
كما يجب على هذا المساعد أن يرافق الرئيس بشكل وثيق، بما يشمل مرافقته في المصعد، والبقاء في الطابق الفندقي ذاته الذي يقيم فيه الرئيس خلال رحلاته.
يقول موقع "بزنس إنسايدر"، إنّ الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، أضاع "البسكوتة" لأشهر عدّة عام 2000، ما أثار الذعر في أروقة البيت الأبيض والبنتاغون آنذاك.
وعندما تعرض الرئيس الراحل رونالد ريغان لمحاولة اغتيال في العام 1981، وتم فصله عن معاونه العسكري عند نقلة إلى المستشفى، عُثر على "البسكوتة" ملقاة في كيس بلاستيكي كما لو كانت قمامة تخلّص منها أحدهم.
وتسببت "البسكوتة" آنذاك بنزاع ما بين مساعدي ريغان ومكتب التحقيقات الفيدرالي "أف بي آي" الذي تحفّظ عليها ضمن الأدلة المصاحبة لإطلاق النار على الرئيس.
كما تشير تقارير إلى أنّ الرئيس الأسبق جيمي كارتر نسي "البسكوتة" النوويّة في ملابسه الرسميّة التي أرسلها إلى "الغسل الجاف"، وفقا لصحيفة "الغارديان".
سرّ التسمية
وفقا لوزير الدفاع الأميركي الراحل روبرت ماكنمارا، اكتسبت "كرة القدم النوويّة" لقبها من خطة هجوم نووي قديمة كانت تحمل رمز "دروب كيك"، وهي إحدى الحركات في لعبة كرة القدم الأميركية، ولتنفيذ النسخة النووية من الـ"دروب كيك"، فلا بد من وجود كرة قدم تليق بها، تمثلت بالحقيبة.
أصول "الحقيبة النوويّة"
في الحقيقة فإنّ أصول "كرة القدم النوويّة" لا تزال سرّيّة للغاية، ففي حين تعود قناة "هيستوري" بتاريخها إلى خمسينيات القرن الماضي، إبان عهد الرئيس السابق دوايت آيزنهاور. إلا أنّ مجلة "سميثسونيان" الأميركية ترجعها إلى أزمة الصواريخ الكوبيّة عام 1962.
آنذاك، وبحسب المجلّة، كان الرئيس جون كينيدي يعتقد أنّ الأسلحة النووية "جيّدة للردع فقط". كما شعر أنّه "من الجنون أن يكون هناك رجلان جالسان على جانبين متقابلين من العالم، يستطيعان اتخاذ قرار بإنها الحضارة البشريّة"، ما سبب له رعباً من "عقيدة الدمار المتبادل المؤكد".
لذا وضع كينيدي أقفالاً على الأسلحة النوويّة، واقترح بحسب إحدى المذكرات إنشاء نظام للتحقق من هويّة القائد العام للقوات المسلّحة لدى إصداره أوامر بشنّ هجوم نووي.
وتوثّق مذكرة كينيدي، المخاوف التي يُعتقد أنّها كانت السبب وراء ظهور الحقيبة، حيث طرح الرئيس الأسئلة التالية: "ماذا أقول لغرفة الحرب المشتركة لشن ضربة نووية فورّية؟" و"كيف يمكن للشخص الذي تلقى تعليماتي التحقق منها؟".
وتم التقاط أقدم صورة معروفة لمساعد عسكري يسير خلف رئيس أميركي بحقيبة سوداء في 10 أيار (مايو) عام 1963 في مجمع عائلة كينيدي في ماساتشوستس.
ومنذ عام 1963، أصبحت الحقيبة عنصراً أساسيّاً في الرحلات الرئاسية، وتمّ رصدها في الساحة الحمراء بموسكو في أيار (مايو) 1988، برفقة ريغان خلال زيارته الرسميّة آنذاك للاتحاد السوفيتي.
ولعلّ أحد أكثر المواقف إثارة للجدل، بحسب صحيفة "الواشنطن بوست"، كان ظهور "كرة القدم النووية" في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، الذي عادة ما يرتاده ترامب لممارسة لعبة الغولف المفضلة لديه!
نبض