لا يتوقف الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون عن إثارة الجدل، سواء خلال فترة عمله التلفزيوني التي انتهت بطرده من قناة "فوكس نيوز" قبل بضعة أشهر، أو "عمله الحر" في برنامج خاص على الإنترنت، والذي كانت أحدث حلقاته الإعلان عن حوار سيبث ليل الخميس مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من قلب موسكو، لتنطلق شظايا اتهامات لا تتوقف، فيما طغت على المشهد أسئلة ربما لن تجد إجابات قاطعة حول حدود العمل الصحافي والعدالة والحريات والحق في المعرفة.
وفي منشور على حسابه في تطبيق إنستغرام قال كارلسون إنّ المقابلة ستُبثّ في تمام الساعة 18,00 بتوقيت الساحل الشرقي الأميركي (23,00 بتوقيت غرينتش). وقد حقق مقطع الفيديو الذي أعلن فيه كارلسون عن المقابلة من أمام الكرملين وسط العاصمة الروسية موسكو ما يكاد يصل إلى 100 مليون مشاهدة.
Why I'm interviewing Vladimir Putin. pic.twitter.com/hqvXUZqvHX
— Tucker Carlson (@TuckerCarlson) February 6, 2024
وأعلن كارلسون عن المقابلة للمرة الأولى يوم الثلثاء، وأكد أنه قام بزيارة روسيا "على نفقته الخاصة"، في دفاع مبكر عن اتهامات متوقعة بالعمل لصالح موسكو. فيما لم يعلق الكرملين وقتها على الأمر ليترك الجميع في حيرة.
وبالفعل تحققت سريعا توقعات كارلسون حول نقطة "العمالة"، إذ سريعا ما نشرت "سي إن إن" تحليلا عنونته "تاكر كارلسون في روسيا لإجراء مقابلة مع بوتين.. هكذا ينفذ بالفعل أوامر الكرملين"، وتضمن أن الإعلامي "ينفذ بالفعل أوامر الاستبدادي الروسي"، و"ادعى المتطرف اليميني، الذي أشاد بالمستبدين في السنوات الأخيرة، أن وسائل الإعلام الناطقة باللغة الإنكليزية "فاسدة" و"تكذب" على جماهيرها لأنها تنشر "دعاية من أبشع الأنواع"".
لكن كارلسون قال في مقطع الفيديو يوم الثلثاء إن دوافعه في إجراء مقابلة مع بوتين تكمن في أن "معظم الأميركيين غير مطّلعين، وليست لديهم أيّ فكرة عمّا يحدث في المنطقة، هنا في روسيا أو على بُعد 600 ميل في أوكرانيا... يجب أن يعرفوا، لأنّهم يدفعون جزءاً كبيراً من الثمن"، في إشارة إلى الدعم الذي تقدّمه الولايات المتّحدة لأوكرانيا والذي لطالما انتقده.
والأربعاء، قال البيت الأبيض إنّ هذه المقابلة الجديدة مع بوتين لم تكن ضرورية لكي يدرك الشعب الأميركي "وحشية" الرئيس الروسي. وقال المتحدّث باسم الرئاسة الأميركية جون كيربي للصحافيين إنّ "ما فعله بوتين في أوكرانيا يجب أن يكون واضحاً للجميع، وكذلك الأسباب الوهمية والسخيفة التي يحاول من خلالها تبرير أفعاله".
وفي مقابل الهجوم الإعلامي الأميركي الشرس على كارلسون، بدا أن هناك ترحيباً حذراً وحفاوة محسوبة من جانب الإعلام الروسي. ففي مقابل تعريفه الصحافي الأميركي بأنه "شخصية يمينية مثيرة للجدل، مقرب من الرئيس السابق دونالد ترامب وطردته فوكس نيوز قبل بضعة أشهر".. عرفته قناة "آر تي" الروسية على سبيل المثال بأنه "معلق سياسي أميركي محافظ وكاتب اشتهر باستضافته البرنامج الحواري السياسي الشهير "تاكر كارلسون الليلة"... ويوصف بأنه "الصوت الأكثر تأثيرا في وسائل الإعلام اليمينية، دون أن يكون له منافس"".
وفي وصف مطول، أضافت "آر تي" "تميز كارلسون دائما بآرائه الجريئة، والتي يصفها الليبراليون أحيانا بـ"اليمينية المتطرفة"، وكثيرا ما عارض الآراء السائدة فيما يخص جائحة "كوفيد-19"، وهجوم الكابيتول في 6 (كانون الثاني) يناير، والأسلحة البيولوجية الأوكرانية، والهجرة غير الشرعية للولايات المتحدة، وهو ما تسبب بهجوم شرس عليه من قبل وسائل الإعلام والسياسيين من الحزب الديمقراطي. لهذا قامت "فوكس نيوز" بإقالة كارلسون، في نيسان (أبريل) 2023، وألغت برنامجه، دون تقديم سبب".
جانب أخر من الجدل والغضب حول مقابلة كارلسون وبوتين، كانت تتعلق بانتقاده للأوساط الصحافية، التي لامها لعدم محاولة إجراء حوار من هذا النوع مع بوتين، قائلا: "في حين أن وسائل الإعلام الغربية قامت بالعديد من المقابلاتمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لم يهتم صحافي غربي واحد بمقابلة رئيس البلد الآخر المتورط في هذا الصراع، فلاديمير بوتين... الأميركيون لم يسمعوا صوته أبدًا. هذا خطأ".

وهنا فاجأ الكرملين الجميع، حين قال متحدثه الرسمي ديمتري بيسكوف، ردا على تلك التصريحات: "السيد كارلسون غير محق، فقد تلقينا عدداً من الطلبات لإجراء مقابلات مع الرئيس، لكنها أتت بمعظمها من دول غربية ووسائلها الإعلامية التي لا تحاول أبداً حتى الظهور بمظهر الحيادية في تغطيتها. وبالطبع ليست لدينا أي رغبة في التواصل مع هذا النوع من الإعلام".
وإلى جانب "التصويب" الحاسم للكرملين لـ"معلومات" كارلسون، فقد أثار خطابه انتقادات حادة من الإعلاميين الأميركيين والغربيين على وجه العموم، بحسب "بوليتيكو".
وعلقت الإعلامية الأميركية الشهيرة كريستيان أمانبور، مستنكرة: "هل يعتقد تاكر حقاً أننا كصحافيين، لم نحاول إجراء مقابلة مع بوتين كل يوم منذ بدء غزوه لأوكرانيا؟ هذا أمر سخيف، سنواصل طلب إجراء مقابلة، كما فعلنا لسنوات".
وكتب الصحافية والمؤرخة الأميركية آن آبلبوم، على "إكس": "لقد قام العديد من الصحافيين بمقابلة بوتين، الذي تحظى كلماته بتغطية على نطاق واسع"، لكنها أردفت: "مقابلة كارلسون مختلفة لأنه ليس صحافيًا، بل هو مروج، لديه تاريخ في مساعدة الديكتاتوريين في إخفاء الفساد".
وذكر المعلقون كارلسون بإيقاف الصحافيين الأميركيين إيفان غيرشكوفيتش وألسو كورماشيفا في روسيا العام الماضي وأنهما ما زالا محتجزين. بينما لم يجر الرئيس الروسي مقابلة مع وسيلة إعلام غربية منذ بدء هجومه على أوكرانيا في شباط (فبراير) 2022.
نبض