لم تكد تمضي أسابيع قليلة على عرض فيلم "اترك العالم خلفك"، المأخوذ عن قصة بالاسم نفسه للكاتب الأميركي ذي الأصول البنغلادشية رومان علم، إلاّ وفتحت صفحات منه على أرض الواقع.
الفيلم الذي قام ببطولته عدد من حائزي ومرشحي الأوسكار، بينهم جوليا روبرتس وماهرشالا علي وإيثان هوك وكيفين بيكون، وأخرجه الأميركي مصري الأصول سام إسماعيل، أشار في أحد طبقاته المتعددة إلى هجوم سيبراني على الولايات المتحدة، لا يعلم على وجه التحديد من يقف وراءه، إذ قد تكون إيران أو كوريا الشمالية أو الصين أو غيرها من الأعداء الذين خلقتهم الولايات المتحدة لنفسها على مدار الأعوام الماضية.
والغريب أنّ أحد منتجي الفيلم هي شركة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل، فهل كان يتطهر من أخطائه إبان رئاسته أم يتنصّل منها؟
في عمق آخر للفيلم، يلوم العمل التشتت الأميركي ذاته وكراهية الآخر المتفشية والعنصرية والأنانية وغيرها من النقائص، في أنّها أكثر خطراً من الهجوم الخارجي على البلاد... لكن ما يهمّ هنا هو اتهام الدول الأعداء بشن هجوم يستهدف البنى التحتية الأميركية، حيث سيطروا على السفن والطائرات والسيارات وغيرها، ما يؤدي إلى كوارث كبرى تهدّد الوجود الأميركي ذاته.
عند هذه النقطة ينتهي السرد الروائي، لينفتح الخيال على الواقع في مجلس النواب الأميركي، حيث أبلغ مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) كريستوفر راي يوم الأربعاء، لجنة في المجلس، عن تزايد استهداف متسلّلين مرتبطين بالحكومة الصينية البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة، استعداداً لإحداث "ضرر حقيقي" للأميركيين.
أغرب من الخيال
وفي شهادته، أفاد راي أنّ "محطات معالجة المياه والشبكة الكهربائية وخطوط أنابيب النفط والغاز الطبيعي ومراكز النقل، تُعدّ من بين أهداف عمليات القرصنة التي ترعاها الصين، والتي لم تحظ إلاّ بالقليل جدًا من التركيز العام".
ويرى مدير الـ"إف بي آي" في شهادة أمام مجلس النواب الأميركي، أنّ "المتسلّلين الصينيين يتمركزون في البنية التحتية الأميركية، استعدادًا لإحداث الفوضى والتسبّب في ضرر حقيقي للمواطنين والمجتمعات الأميركية، إذا قرّرت الصين أنّ الوقت قد حان للضرب".
شهادة راي لم تأتِ من فراغ، بل عقب تقرير أفاد أنّ الحكومة الأميركية شنّت مؤخّراً حملةً ضدّ مجموعة قرصنة صينية تُسمّى "فولت تايفون"، والتي قال المسؤولون إنّها كانت تتجسس على شبكات البنية التحتية الأميركية.
وبالتزامن مع الشهادة في مجلس النواب، قام الـ"إف بي آي" ووزارة العدل الأميركية بتعطيل شبكة الخوادم ومئات الأجهزة الذكية في عشرات من الأماكن قي الولايات المتحدة، بحجة قرصنتها من قِبل المجموعات الصينية.

توغّل عميق
وفي شهادته أمام اللجنة نفسها يوم الثلثاء، قال ليون بانيتا، الذي شغل منصب مدير وكالة المخابرات المركزية ووزير الدفاع في إدارة أوباما، إنّه يعتقد أنّ العملاء الصينيين "زرعوا برامج ضارّة داخل شبكات الكمبيوتر الخاصة بنا". وحذّر من أنّ الحكومة الصينية ستستخدم الذكاء الاصطناعي لنشر المعلومات المضلّلة، بحسب وكالة "أسوشيتد برس".
كل هذه الوقائع قد تتوافق مع تحذيرات متعددة من شركات مستقلة للتكنولوجيا والأمن السيبراني، وبينها "مايكروسوفت"، التي حذّرت في أيار (مايو) الماضي، من انّ متسلّلين صينيين مدعومين من الدولة يستهدفون البنية التحتية الحيوية للولايات المتحدة، ويمكن أن يضعوا الأساس الفني للتعطيل المحتمل للاتصالات الحيوية بين الولايات المتحدة وآسيا خلال الأزمات المستقبلية.
وفي المقابل، لا تقف الصين كـ"متهم صافٍ"، إذ اتهمت بدورها الولايات المتحدة بسبب هجماتها الإلكترونية "شبه اليومية" و"الضخمة" ضدّ مكاتب الحكومة الصينية. وقال وانغ وي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، العام الماضي، إنّ "الصين هي أكبر ضحية للهجمات الإلكترونية".
وعلى مستوى آخر من الاتهامات، قالت وزارة العدل الأميركية يوم الأربعاء، إنّ السلطات الأميركية وجّهت اتهامات إلى أربعة مواطنين صينيين في جرائم تتعلق بتهريب مكونات إلكترونية أميركية المنشأ إلى إيران، بما في ذلك بعض المكونات التي يُحتمل استخدامها لأغراض عسكرية.
وأضافت الوزارة في بيان، أنّ المواطنين الصينيين متهمون بنقل مواد خاضعة لرقابة التصدير الأميركية عبر الصين وهونغ كونغ، إلى كيانات خاضعة للعقوبات تابعة للحرس الثوري الإيراني ووزارة الدفاع الإيرانية، بحسب "رويترز".
وتزعم الولايات المتحدة، أنّه في الفترة ما بين أيار (مايو) 2007 وتموز (يوليو) 2020، استخدم المتهمون شركات واجهة في الصين لتمرير الإلكترونيات، بما في ذلك بعض المكونات التي يمكن استخدامها في إنتاج الطائرات المسيّرة وأنظمة الصواريخ الباليستية وغيرها من الاستخدامات العسكرية. وقالت وزارة العدل إنّ المخطّط المزعوم أدّى إلى تصدير "كمية هائلة" من السلع ذات الاستخدام المزدوج، أميركية المنشأ، من الولايات المتحدة إلى إيران.

أوكرانيا على الخط
ولا تقتصر حرب المستقبل على الولايات المتحدة والصين، إذ أعلنت أوكرانيا الثلثاء أنّها شنّت هجوماً سيبرانياً أخرج الخادم الالكتروني لوزارة الدفاع الروسية عن العمل وعطّل مؤقتاً التبادل الداخلي للمعلومات.
وجاء في بيان للاستخبارات العسكرية الأوكرانية، أنّ العملية "عطّلت خادم الاتصالات الخاص بوزارة الدفاع الروسية"، معلنةً مسؤوليتها عنها. وقالت إنّ "الهجوم السيبراني قطع تبادل المعلومات بين وحدات وزارة الدفاع الروسية التي كانت تستخدم الخادم المشار إليه والموجود في موسكو"، مشيرة إلى أنّ العملية "مستمرة".
وبالتوازي، أفادت السلطات الروسية الثلثاء، بأنّ عطلاً طال مواقع إلكترونية عدة في البلاد، سببه "مشكلة فنية". ولم يُشَر إلى الموقع الإلكتروني لوزارة الدفاع الروسية، وإلى وجود رابط بين ما أعلنته الاستخبارات العسكرية الأوكرانية والعطل الذي أفادت به السلطات الروسية.
وأكّدت وزارة التنمية الرقمية في بيان، أنّ العطل "المتعلّق بالبنية التحتية لنظام أسماء النطاقات (DNSSEC)" قد تمّ إصلاحه مساء، لكن الوزارة لفتت إلى "اضطرابات" للخدمة قد تستمر "لبعض الوقت". وتمّ الإبلاغ عن أعطال في منطقة موسكو، وأيضاً في سان بطرسبرغ ونوفوسيبيرسك وجمهورية تتارستان، وفقاً لوكالة "ريا نوفوستي" الحكومية.
نبض