14-06-2023 | 07:37

مشهد محاكمات ترامب سيتكرر... هل يَحكُم من السجن؟

لاحقت الكاميرات من سماء ميامي مسار موكب ترامب على طول المسافة التي قطعها من المحكمة ليتوقف أمام مطعم كوبي. تجمّع هناك عدد من مناصريه الذين غنّوا له "هابي بيرثداي". لا أحد يخطئ في تقدير أن معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة بدأت فعلاً.
مشهد محاكمات ترامب سيتكرر... هل يَحكُم من السجن؟
Smaller Bigger

في الثامنة و45 دقيقة مساء أمس الثلثاء بالتوقيت المحلي، دخل دونالد ترامب هادئاً إلى حيث ينتظره عشرات من المدعوّين إلى ناديه للغولف في نيوجيرسي، تزامناً مع عيد ميلاده السابع والسبعين (الأربعاء)، آتياً من ميامي التي سرق أضواءها طوال ساعات النهار، بعدما مثل أمام محكمة فيدرالية في خطوة تاريخية.

بقي الرئيس السابق صامتاً متأملاً عشرات الحضور مدة دقيقتين ونصف الدقيقة، قبل أن يهتفوا "يو أس إي"، ليبدأ خطاباً مكتوباً شانّاً هجوماً عنيفاً على جو بايدن، واصفاً إياه بأنه "الرئيس الأكثر فساداً في تاريخ الولايات المتحدة"، بسبب ملاحقة إدارته له في قضية الوثائق السرية التي وصفها بأنها "أسوأ استغلال شرير وشنيع للسلطة"، متوعداً بتعيين "مدع عام حقيقي" حين يعاد انتخابه، لملاحقة بايدن.
 

 
خلال النهار، شهدت ميامي، ثاني أكبر مدينة في فلوريدا، مثولاً تاريخياً لرئيس أميركي سابق، هو ترامب، أمام محكمة فيدرالية، لتُتلى عليه عشرات التهم بمخالفات جنائية في قضية نقل وثائق سرية من البيت الأبيض إلى مقرّ إقامته في مارألاغو في بالم بيتش.

دفع ترامب ببراءته من التهم كلّها وغادر المحكمة بلا قيود، إلى حين استكمال التحقيقات، في قضية وصفت بأنها الأكثر خطورة عليه بين القضايا التي تلاحقه. لم تكن الحشود المؤيدة له بالحجم الكبير الذي توقعته شرطة ميامي التي استعدّت لاحتمال الصدام بين مناصريه ومناهضيه الذين اصطفّوا في الجهة المقابلة، لكنّ الأمور مرّت بسلام.
 
خطاب المساء
في خطابه المسائي اتهم إدارة بايدن بعدم احترام القانون، وبأنها تتعامل بازدواجية في ملف الوثائق، إذ لم توجّه اتهامات إلى مسؤولين آخرين في قضايا مماثلة. قال إنه كرئيس كان له الحق بإزالة السرية عن الوثائق التي نقلها معه إلى مارألاغو ولم تتح له انشغالاته الكثيرة الاطلاع عليها، في حين أن بايدن نقل وثائق سرية قبل توليه الرئاسة ولم تكن له صلاحية رفع السرية عنها بصفته نائباً للرئيس، وقبلها عضواً في مجلس الشيوخ. تطرق ترامب كذلك إلى قضية البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون وفقدانها وثائق مهمة، وكذلك فقدان إدارة الرئيس الجمهوري الأسبق جورج دبليو بوش "ملايين الرسائل الإلكترونية"، إضافة إلى وثائق نائبه السابق مايك بنس.

كرر ترامب في خطابه الذي استمر نصف ساعة، ما سبق أن قاله في خطاباته الأخيرة: "حين أُنتَخَب مجدداً في 2024، ولا خيار لنا سوى ذلك، سنستعيد العدالة وبلادنا وسنجعل أميركا عظيمة مجدداً".
 
بعد خروجه من المحكمة في ميامي، بدا لافتاً مشهد إعلاميين ومناصرين يركضون خلف موكبه المؤلف من ستّ سيارات سوداء وأخرى تابعة للشرطة ودراجات نارية. لاحقت الكاميرات من سماء المدينة مسار موكب ترامب على طول المسافة التي قطعها من المحكمة ليتوقف أمام مطعم كوبي. تجمّع هناك عدد من مناصريه الذين غنّوا له "هابي بيرثداي". صافح كثيرين منهم وغادر بعد دقائق، بعدما أجهد حراسه في إبعاد مناصريه عنه. لا أحد يخطئ في تقدير أن معركة الانتخابات الرئاسية المقبلة بدأت فعلاً. وهنا ميامي، معقل الجالية الكوبية الوازنة.
 
 
لائحة اتهامات
الاتّهامات التي قدّمها المستشار الخاص جاك سميث كثيرة، يضع بعضها ترامب في السجن سنوات، إن أدين. هو متهم بحيازة أسرار حكومية، ورفض إعادتها، والتآمر لعرقلة ‏عمل المحققين الذين كانوا يسعون لاستعادتها.‏ متّهم كذلك بمشاركة معلومات بالغة السرية مع أشخاص لا يملكون تصريحاً أمنياً يخوّلهم معرفتها. والاتهامات معزّزة بأدلّة، وتسجيلات واعترافات لأعضاء في الفريق القانوني لترامب، وصور لصناديق تضمّ آلاف الوثائق تقبع في أروقة مقرّ إقامته. في غرف نوم وقاعات احتفالات وخزائن، وفي حمّام.

بالنسبة إلى ترامب ومناصريه، هذه ليست القضية. كتب عبر منصته "تروث سوشال": "علينا أن ‏نكون جميعاً أقوياء، وأن نهزم الشيوعيين والماركسيين ‏ومجانين اليسار الراديكالي، الذين يدمّرون بلادنا بشكل ‏منهجي".‏ وفي خطابه المسائي قال: "فعلت كل شيء بشكل صائب، ولكن تم توجيه تهم ضدّي".
 
معركة الانتخابات
يرى ترامب في المشهد كله هدفاً وحيداً هو إقصاؤه عن معركة انتخابات 2024. ولا يتردد في أن يتّهم بذلك خصمه الديموقراطي مباشرة: خليفته في البيت الأبيض جو بايدن، الرئيس الذي لم يسلّمه سلفه الرئاسة، ولم يحضر تنصيبه، ولم يعترف بهزيمته أمامه. قال ترامب قبل أيام: "أبلَغَتْ إدارة بايدن الفاسدة محاميّ بتوجيه الاتهام لي"، في قضية الوثائق السرية.

الترامبيون بدورهم يوسّعون اتهاماتهم إلى وزارة العدل نفسها. إلى الوزير والمدعي العام والقضاة والمحامين، وكلّ من له علاقة بالملاحقات القانونية التي تطارد زعيمهم من ولاية إلى أخرى. وإلى الوثائق السرية في فلوريدا، ثمة قضية الممثلة الإباحية ستورمي دانييل في نيويورك، وقضية الضغط لتغيير نتائج الانتخابات في جورجيا، وقضية تحريضه أنصاره على اقتحام الكابيتول في واشنطن لمنع تصديق الكونغرس على فوز بايدن، وقضايا ضريبية كذلك في نيويورك.
 
"حملة مطاردة ساحرات" كما يراها ترامب، وهو تعبير يستخدمه كثيراً للحديث عن مؤامرة تستهدفه لأسباب سياسية اعتماداً على قضايا ملفقة، بينما يراها الديموقراطيون إجراءات قانونية مشروعة لملاحقة الرئيس السابق في قضايا انتهاكات تعرّض الأمن القومي للخطر، كما في قضية الوثائق، ومحاولات لقلب نتيجة انتخابات ديموقراطية بوسائل عنفية، كما في قضية اقتحام الكابيتول، إلى استغلال النفوذ للضغط على مسؤولين محليين، كما في قضية انتخابات جورجيا.
 
 مواجهة سياسية أولاً
أمام وهج الانقسام المتزايد في المجتمع الأميركي، تتخذ قضايا ترامب بعداً سياسياً أكثر فأكثر، أياً كان حجم الاتهامات القانونية ونوعها. يسائل الرئيس السابق ومناصروه وزارة العدل بشأن الوثائق التي عُثر عليها في مقرات تعود لبايدن، وهي تعود إلى فترة توليه منصب نائب الرئيس باراك أوباما. يدافع الديموقراطيون بأن بايدن، وكذلك مايك بنس، نائب الرئيس السابق ترامب، تعاونا مع المحققين وسلّما الوثائق، في حين تقول الاتهامات لترامب إنه كذب حين أبلغ الجهات المعنية أنه سلّم الوثائق كلها في حزيران (يونيو) 2022، ليتبيّن بعدها وجود آلاف منها في مارألاغو.

حتى الآن، يحافظ ترامب على موهبته في تطويع المشهد الإعلامي لمصلحته. يؤدي دور الضحية أمام مناصرين لا يفارقهم الولاء له تحت أي ظرف، وأيّ اتهام. ويجتذب آخرين تستهويهم سطوة حضوره. معركته الأولى، التي كان يراها خبراء محسومة له قبل الاتهامات الفيدرالية، ليست جو بايدن، بل بعض المغامرين من قياديي الحزب الجمهوري الطامحين إلى انتزاع ورقة الترشيح للبيت الأبيض من يديه، بينما يحرص هو على ازدرائهم كجزء من استراتيجيته المعهودة في تدمير منافسيه. يراهن بعضهم على أن الاتهامات الفيدرالية ستترك أثرها في مسار الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري.
 
المغامرون الجمهوريون
من المرشحين الجمهوريين رون ديسانتيس، الأربعيني الذي يقول محللون أميركيون إنه لا يقدّم شيئاً سوى أنه "ترامب أصغر سنّاً"، ونيكي هايلي التي تناور في بعض الملفات الحساسة مثل الإجهاض لتكسب من الطرفين، ومايك بنس نفسه، الذي قدّم ترامب إلى قاعدة إنجيلية متدينة ومتوجسة من سيرة فوضوية لمرشح مثقل بالقضايا الجدلية في 2016، ليصير بنس بعدها الشاهد القريب على سنوات ترامب منذ حملة تلك الانتخابات ودخوله معه البيت الأبيض نائباً للرئيس، إلى اللحظات العصيبة لاختبائه في ملجأ الكابيتول حين كان مناصرو ترامب يبحثون عن نائبه مهددين بشنقه لرفضه عدم التصديق على فوز بايدن. منهم كذلك كريس كريستي، الذي أدار لفترات طويلة حملات انتخابية لترامب، ولا يُعرف بعد كيف سيؤذيه في معركة انتزاع بطاقة الترشيح الجمهوري.
 
رئيس من السجن؟
يقدّم خبراء قانونيون إجابات معلّقة حين يُسألون عما إذا كانت هذه القضايا كلها ضدّ ترامب كفيلة، إن أدين بإحداها أو ببعض منها، بإبعاده عن السباق الرئاسي. لكل قضية حيثياتها وأحكامها وتداعياتها، يقولون. وثمة إجابة تبعث قلق خصومه، سواء الديموقراطيين أو كارهيه في الحزب الجمهوري نفسه: حتى لو سُجن ترامب، يمكنه الترشّح وأداء مهماته من سجنه في حال فوزه.

شروط الترشح للرئاسة متوافرة فيه: ألا يقل عمره عن 35 سنة، وأن يكون أميركياً مولوداً في الأراضي الأميركية، وأن يكون مقيماً 14 عاماً على الأقل في الولايات المتحدة.
 
حالة وحيدة تبدو منفذاً لإقصائه، لكن الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب تعقّد احتمال حدوثها: التعديل الدستوري رقم 14 يتيح للكونغرس تمرير القوانين التي تمنع الأفراد الذين شاركوا في تمرّد ضدّ الولايات المتحدة من شغل مناصب. وزارة العدل تواصل تحقيقاتها في ما إذا كان دور ترامب في اقتحام الكابيتول في 6 كانون الثاني (يناير) 2021 يصل إلى مرحلة التحريض على التمرد ضدّ البلاد.
 

شكّل ذلك الحدث يوماً مفصلياً في الحياة السياسية الأميركية، واعتبره الرئيس المنتخب حينها جو بايدن "هجوماً على الديموقراطية الأميركية". هاجمه ترامب في خطابه المسائي أمس من الباب نفسه: "حين تعتقل خصماً سياسياً لك، لا يعود ثمة وجود للديموقراطية".

يبدو الآن أن مشهد ترامب داخلاً المحاكم وخارجاً منها سيصير مألوفاً في الفترة المقبلة. يرجّح خبراء سياسيون أن الرئيس السابق هو المستفيد الأكبر من احتلال المشهد بالطريقة التي بدا عليها عقب خروجه من محكمة ميامي إلى المطعم الكوبي، ثم في خطابه المسائي. يضع ذلك الديموقراطيين والرئيس بايدن أمام تحديات معركة إعلامية يراهن فيها ترامب، المحتفل بحيويته في عيد ميلاده السابع والسبعين اليوم، على هفوات خصمه الثمانيني بايدن وعثراته الجسدية، التي تكاد تطغى – في المشهد الانتخابي – على إنجازاته التشريعية الأخيرة.
 
(الصور من أ ف ب).

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية