انتخابات الكونغرس النصفية... لا "موجة حمراء" لكنّ بايدن لن يَهنَأ
حافظت نتائج الانتخابات الظاهرة حتى الآن على مستوى الانقسام. لم تلحق هزيمة كاملة بأحد الطرفين على المستوى الشعبي، لكنها بلا شكّ ستقيّد إدارة بايدن بعدما تتأكد سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب. الشرخ المجتمعي سيتّسع، وهو يزداد تمدّداً منذ هجوم الكابيتول في كانون الثاني (يناير) 2021.
بدا مشهد الانقسام الأميركي عقب النتائج الأولى لانتخابات الكونغرس النصفية أكثر تعقيداً. نجح الديموقراطيون في إحباط "الموجة الحمراء" التي وعد الجمهوريون ناخبيهم بها، لكنّ ذلك لن يغيّر كثيراً في قوة الضربة التي ستعصف بالنصف الثاني من رئاسة جو بايدن: لقد فقد الرئيس الأغلبية (وفق نتائج أولية حتى الآن).
كانت ولاية بنسلفانيا أبرز مؤشرات فرملة الاندفاع الجمهوري من جهة، وإعادة قبلة الحياة للأمل الديموقراطي من جهة أخرى. قبل شهرين، تحديداً في الرابع من أيلول (سبتمبر)، ظهر الرئيس الجمهوري السابق دونالد ترامب للمرة الأولى أمام حشد جماهيري منذ دهم مكتب التحقيقات الفيدرالي مقر إقامته في مارألاغو في فلوريدا. كان ذلك في فيلادلفيا، دعماً للمرشح الجمهوري إلى مجلس الشيوخ محمد أوز. خاطب ترامب مناصريه: "بعد شهرين من الآن، سيقوم أبناء بنسلفانيا بطرد الديموقراطيين اليساريين الراديكاليين، وسوف تنتخبون دوغ ماستريانو حاكماً جديداً لكم. وسوف ترسلون صديقي أوز – إنه رجل عظيم – إلى مجلس الشيوخ الأميركي".

ترامب وزوجته ميلانيا عقب خروجهما من مركز تصويت حيث أدليا بصوتيهما. (أ ف ب)
في 28 تشرين الأول (أكتوبر) عاد جو بايدن إلى فيلادلفيا، بعدما كان زارها في بداية أيلول. وقف بدوره أمام حشد جماهيري: "أحد عشر يوماً تفصلنا عن الانتخابات الفرعية الأكثر أهمية في حياتنا. وهذا ليس مبالغة. ستحدّد (الانتخابات) شكل هذا البلد للعقد المقبل أو أكثر. إنها ليست مزحة. ولنكن واضحين: هذه الانتخابات ليست استفتاء. إنها اختيار. الاختيار بين رؤيتين لأميركا، مختلفتين إلى حد بعيد".
الأحد في السادس من تشرين الأول (نوفمبر) الجاري، قبل ثلاثة أيام من الانتخابات، ألقى الجميع بأثقالهم في الولاية. عاد إليها ترامب، وكذلك عاد بايدن ومعه هذه المرة الرئيس السابق باراك أوباما. بالنسبة إليهم، وإلى جميع المنخرطين في معركة الانتخابات برمّتها، قد تقرّر بنسلفانيا مصير الأغلبية في مجلس الشيوخ.
رهان بنسلفانيا
صباح اليوم الأربعاء تبيّن أن الديموقراطيين كسبوا رهان بنسلفانيا. هزم مرشحهم جون فيترمان غريمه محمد أوز، ما منحهم فرصة لالتقاط الأنفاس، بعدما بات محتملاً أن يحافظوا على مجلس الشيوخ، مقابل خسارتهم المرجحة لمجلس النواب. وهناك، يستعدّ الجمهوريون لتنغيص حياة جو بايدن في النصف الثاني من ولايته بدءاً من السنة المقبلة.
"لائحة الانتقام" الجمهورية من الديموقراطيين طويلة، ولا سيما لدى النواب المؤيدين لترامب، رداً على عامين من الإجراءات التي قادتها رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي ضدّ الرئيس السابق، ولا سيما التصويت لعزله مرتين ثم تشكيل اللجنة النيابية للتحقيق في هجوم أنصاره على الكابيتول في السادس من كانون الثاني (يناير) 2021.
وفي اللائحة الملف الأول الذي قامت عليه الحملات الانتخابية للجمهوريين: التضخم الهائل وما استتبعه من غلاء مضطرد أرهق كاهل العائلات الأميركية، وملف إدارة أزمة كورونا واللقاحات بعد مغادرة ترامب البيت الأبيض، وقضية المهاجرين غير الشرعيين. وفي السياسة الخارجية يتقدم الأولويات ملف الانسحاب "الفوضوي" من أفغانستان، إضافة إلى إدارة البيت الأبيض لملف الحرب الروسية على أوكرانيا، إذ يتحفظ الجمهوريون على ما يرونه إغداقاً مبالغاً فيه للمساعدات العسكرية وغير العسكرية على أوكرانيا، في حرب لا تبدو أي مؤشرات إلى نهاية قريبة لها. وستصعّب عودة الجمهوريين إلى مجلس النواب كذلك احتمالات العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، على مستوى الضغوط التي سيشكلها نوابهم في إطار المقايضات مع الديموقراطيين بملفات أخرى.
الانقسام الجمهوري
لكنّ الجمهوريين منقسمون بدورهم، ولعلّ ذلك كان سبباً رئيسياً في سقوط مسعاهم إلى "موجة حمراء". ففيهم الترامبيون واللاترامبيون، ونجح الديموقراطيون في أكثر من مكان في اللعب على هذا الوتر بدعمهم مرشحين جمهوريين متطرفين لتعزيز الانقسام بينهم. والأغلبية الضئيلة المرجحة للجمهوريين في مجلس النواب قد تتيح للديموقراطيين هامشاً بسيطاً للمناورة في محاولة جذب بعضهم للموافقة على مشاريع تقدّمها إدارة بايدن.
أما الديموقراطيون فقد دفعوا ثمن الهرب من مواجهة ملف التضخّم إلى محاولة استغلال ملف الإجهاض. ومع أنهم استفادوا في معركتي ميشيغن وبنسلفانيا وغيرها بمعارضتهم قرار المحكمة العليا تقييد حق الإجهاض بنسبة كبيرة، إلا أن التداعيات الاقتصادية للتضخم كان لها الوقع الأقوى في خيار الناخبين في أكثر من ولاية.
خيارات الناخب الأميركي، ولا سيما غير الحزبي، تعتمد في غالبيتها على ما تكون عليه حال البلاد يوم الانتخابات، ولا سيما ما يتربط مباشرة بمعيشته اليومية، من أسعار الوقود إلى المواد الغذائية، وبينهما نسب الارتفاع في إيجارات البيوت.
وهذه الملفات كلها ستكون في النهاية وقوداً لمعركة الانتخابات الرئاسية في 2024. ترامب سبق أن ألمح إلى أنه سيعلن ترشّحه في 15 تشرين الثاني الجاري، وليس معروفاً إن كانت نتائج الانتخابات النصفية ستدفعه إلى تأجيل الأمر أو إعادة النظر فيه، في حين أن الفوز المهم الذي حققه الجمهوري رون دي سانتس في فلوريدا سيمنحه دفعة قوية لإعلان ترشحه للرئاسة، رغم التحذيرات التي وجهها إليه ترامب قبل أيام لمنعه من الترشح، ملوّحاً بملفات يملكها ضدّه. وربما يكون في لائحة المرشحين الجمهوريين كذلك نائب الرئيس السابق مايك بنس. نتائج الانتخابات النصفية ستكون كذلك اختباراً لمدى قدرة "الترامبية" على الاستمرار والتوسّع بعدما شكّلت خسارة عدد من المرشحين المدعومين من ترامب رسالة قوية من داخل القاعدة الجمهورية.

في المقلب الديموقراطي، ومع أن بايدن قال بنفسه الشهر الماضي إنه ينوي الترشح مجدداً في انتخابات 2024، إلا أن ما بدا حتى الآن من هفوات شخصية عديدة خلال عاميه الأولين في الرئاسة، بسبب سنّه على الأغلب، سيكون كافياً بالنسبة إلى دوائر القرار في الحزب الديموقراطي لعدم الذهاب بعيداً في هذا الخيار. لكن هذا أيضاً يفرض عليهم في المقابل عدم التأخر في إبراز مرشح بديل يمكنه مواجهة منافسه الجمهوري، ولا سيما إذا كان ترامب نفسه.
حافظت نتائج الانتخابات الظاهرة حتى الآن على مستوى الانقسام. لم تلحق هزيمة كاملة بأحد الطرفين على المستوى الشعبي، لكنها بلا شكّ ستقيّد إدارة بايدن بعدما تتأكد سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب. الشرخ المجتمعي سيتّسع، وهو يزداد تمدّداً منذ هجوم الكابيتول، ولا سيما أن الكونغرس سيضمّ قريباً وجوهاً مؤمنة بنظرية ترامب عن "سرقة الانتخابات" الرئاسية الماضية، وبأن جو بايدن ليس رئيساً شرعياً للولايات المتحدة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض