28-02-2024 | 06:10

هل ترحب القاهرة بتعزيز الوجود التركي في الصومال؟

خصوصية العلاقات بين أنقرة ومقديشو أصبحت أكثر بروزاً مع إعلان الصومال عن اتّفاق دفاعي مع تركيا يتضمن دعم أصولها البحرية... وذلك بعد أيام قليلة من اتفاقية مثيرة بين إثيوبيا و"أرض الصومال"
هل ترحب القاهرة بتعزيز الوجود التركي في الصومال؟
Smaller Bigger

يحظى الصومال بمكانة خاصة في السياسة الخارجية لتركيا، حيث شهدت العلاقات بين الجانبين تطوّراً بعد الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (كرئيس للوزراء آنذاك) للصومال في 19 آب (أغسطس) عام 2011، وذلك لدعم البلاد التي واجهت أسوأ كارثة إنسانية متفاقمة بسبب الجفاف الشديد والحرب الأهلية.

 

هذه الخصوصية أصبحت أكثر بروزاً مع إعلان الصومال عن اتّفاق دفاعي مع تركيا يتضمن دعم أصولها البحرية، فيما يؤكد الخبراء والمحللون على كون تقويض جهود إثيوبيا للوصول إلى البحر عن طريق منطقة "أرض الصومال" الانفصالية، هو الأساس الذي مهّد لتوقيع الاتفاق بين أنقرة ومقديشو.

 

الاتّفاق "التركي" مقابل "الإثيوبي"

اعتبرت أنقرة مذكرة التفاهم الموقّعة بين أديس أبابا و"أرض الصومال" في مطلع كانون الثاني (يناير) الماضي، تهديداً لسلامة الصومال. وجاء في بيان لوزارة الخارجية أن تركيا راقبت الاتفاق بقلق وأكدت "التزام أنقرة بوحدة وسيادة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفدرالية"، مع التشديد على ضرورة حل الخلافات بين الصومال وأرض الصومال من خلال المفاوضات المباشرة.

 

ويقضي الاتفاق بقيام أرض الصومال بتأجير 20 كيلومتراً (12 ميلاً) من ساحلها لإثيوبيا (غير الساحلية) لاستخدامها كقاعدة عسكرية ولأغراض تجارية عبر ميناء بربرة في أرض الصومال على ساحل خليج عدن، ما يمنحها نفوذاً تجارياً وعسكرياً في المنطقة.

 

في المقابل، يتوقع رئيس "أرض الصومال" موسى بيهي عبدي أن تعترف إثيوبيا رسمياً بجمهوريته الانفصالية، التي أعلنت من طرف واحد استقلالها عن الصومال في عام 1991، وتعمل منذ ذلك الحين بشكل مستقل. وإذا حدث ذلك، فستصبح إثيوبيا أول دولة تعترف باستقلال "أرض الصومال".

 

 

وإثيوبيا هي ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان بنحو 123 مليون نسمة، يعيش 68.7% منهم على - أو دون - خط الفقر وفقاً لبيانات معهد دراسات السياسات الإثيوبي لعام 2021.

 

ورفض الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود الاتفاق بين إثيوبيا و"أرض الصومال"، قائلاً إنه لن يتم تقديم أي شيء لإثيوبيا، وشكر مسؤولو الحكومة الصومالية تركيا على دعمها الثابت. وفي 11 كانون الثاني، أجرى القائم بأعمال وزير الخارجية الصومالي علي عمر بلد، محادثات مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في أنقرة بهذا الخصوص.

 

وردّت أنقرة على الاتفاقية الإثيوبية بتوقيع اتّفاق تعاون أمني عسكري اقتصادي مطلع شباط (فبراير) الجاري بين وزير الدفاع التركي يشار غولر ونظيره الصومالي عبد القادر محمد نور، علماً أن الأخير تلقّى تعليمه في تركيا. وسبق ذلك أن قرر البرلمان التركي في 14 كانون الثاني تكليف البحرية التركية بمهام مكافحة القرصنة والسطو المسلح والإرهاب قبالة سواحل الصومال والمناطق المجاورة لها لمدة سنة واحدة، وذلك قبل أسبوعين من توقع الاتفاقية.

 

على الرغم من عدم الإعلان عن بنود الاتّفاق بين أنقرة ومقديشو، إلا أن تصريحات المسؤولين في كلا البلدين - وعلى رأسهم رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي - تركّز على "مكافحة الإرهاب والقرصنة والصيد غير القانوني وإلقاء المواد السامة وأي انتهاكات أو تهديدات خارجية" للساحل الصومالي.

 

 

ويؤكد رئيس حزب "حلقرن" الصومالي المعارض، محمد معلم علي، في تصريحات إلى "النهار العربي"، أن "الصومال يعوّل كثيراً على الاتفاق لإنشاء قوة برّية وبحرية مسلّحة كبيرة، خاصة في ظل عجزه حالياً عن صد أي هجوم إثيوبي باتجاه أحد موانئه"، مشيراً إلى أن الوجود التركي "قد يردع إثيوبيا عن القيام بأي هجوم أو انتهاك للمياه الإقليمية الصومالية".

 

تركيا النشطة في الصومال

ويمتد الخط الساحلي الصومالي الذي يبلغ طوله 3025 كيلومتراً (1879 ميلاً)، وهو الأطول في أفريقيا، على طول خليج عدن إلى الشمال والمحيط الهندي إلى الشرق والجنوب، وتحدها كينيا وإثيوبيا من الغرب وجيبوتي من الشمال الغربي، وتعتبر بوابة القرن الأفريقي إلى القارة السمراء.

 

وخلال أكثر من عقد، شاركت تركيا بنشاط في مجالات الدفاع والأمن في أفريقيا بشكل عام والصومال خصوصاً، وأبرمت اتفاقيات تعاون في مجال صناعات الدفاع مع أكثر من 25 دولة أفريقية، وأنشأت قواعد عسكرية لها في الصومال وليبيا.

 

واستحوذت القارة الأفريقية على صادرات دفاعية بقيمة 82.9 مليون دولار من أصل 2.2 مليار دولار من الصادرات الدفاعية التركية في عام 2020، بنمو قدره 92% مقارنة مع عام 2019. وفيما كانت القارة الأفريقية السوق الخامسة لصادرات صناعة الدفاع التركية في عام 2021، فقد أصبحت السوق الثانية في 2022.

 

النمو المذكور يعود في الدرجة الأولى إلى السياسة الخارجية النشطة التي انتهجتها تركيا في القارة الأفريقية، ما أتاح لها اكتشاف أسواق جديدة لمنتجاتها التجارية والصناعات الدفاعية، حيث مثّلت سياسة المساعدات الإنسانية والتنموية التركية في الصومال، والتي بدأت في عام 2011، العامل الأبرز في تعميق العلاقات التركية الصومالية.

 

ويشرح معلم علي، العلاقة التركية-الصومالية بناءً على أسس اجتماعية قبل السياسة والاقتصاد والأمن، مشيراً إلى أن "تركيا كانت من أوائل الدول التي وطدت علاقاتها مع الصومال بعد عودة الأخير إلى الساحتين الإقليمية والدولية، كما أن السفارة التركية في مقديشو كانت أول سفارة باشرت عملها الدبلوماسي عام 2011، بالإضافة إلى تسيير الخطوط الجوية التركية لرحلات بين تركيا والصومال".

 

ويلفت معلم علي إلى "سهولة حصول الصوماليين على التأشيرة التركية، وخاصة هؤلاء العازمين على الدراسة في تركيا أو تلقّي العلاج والاستطباب الصحي في مشافيها"، مؤكداً أن الشعب الصومالي يرى في تركيا دولة قريبة ومساعدة وداعمة له.

 

وتستند تركيا في سياسة "القوة الناعمة" التي تنتهجها في الصومال إلى إرثها التاريخي خلال الفترة العثمانية بفصل هويّتها الأطلسية عن وجودها الديني والتاريخي والإنساني في البلاد، وهي التي أطلقت واحدة من أكبر حملات المساعدات الإنسانية للصومال.

 

وفي المقلب الآخر، لم تتردد أنقرة في انتهاج سياسة "القوة الخشنة"، عندما قامت بتدريب مئات من الجنود وأفراد الشرطة الصوماليين في كل من أنقرة ومقديشو منذ عام 2012، واحتفظت بأكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج في الصومال منذ عام 2017.

 

أنقرة والقاهرة

جاءت الخطوة التركية الأخيرة بالتزامن مع التأسيس لعهد جديد من العلاقات التركية - المصرية والزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنظيره المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، ما يمكن أن يخفف من الشكوك المصرية حيال وجود تركيا الصريح والشرعي على البوّابة المؤدية لقناة السويس.

 

تقع الصومال عند نقطة عبور الطاقة الشرق أوسطية باتجاه أوروبا، وفي نقطة جغرافية مهمة جداً للتجارة العالمية، وقد جذبت أهمّيتها الجيوسياسية اهتمام الجهات الفاعلة العالمية للانخراط في الصومال خصوصاً ومنطقة القرن الأفريقي عامة، كالولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا واليابان التي لها قواعد عسكرية في جيبوتي، إلى جانب الصين التي تمتلك قاعدة لوجستية هناك أيضاً.

 

في الوقت نفسه، تتزايد التساؤلات حول سبب توقيع الصومال الاتفاقية الأمنية مع تركيا، وليس مصر، على الرغم من كونها مرتبطة أساساً بالمخاطر الإثيوبية، والتي تعتبرها القاهرة أيضاً تهديداً لأمنها القومي.

 

ورداً على السؤال، يوضح الصحافي المصري المتخصص في الشؤون السياسية والأمنية في الصومال والقرن الأفريقي حامد فتحي، في تصريحات إلى "النهار العربي"، أن "هناك أسباباً عدة جعلت القاهرة لا تُسارع لمثل تلك الاتفاقية، تنقسم تحت عناوين ثلاثة؛ القدرات المصرية، والموقف الصومالي، والجاهزية التركية".

 

ويتابع أنه "بالنسبة للعامل للأول، كانت القاهرة حتى أشهر بعيدة عن الشؤون الأمنية في الصومال، وتعتبر حديثة عهد بالوضع الحالي في الصومال، وليس لديها علاقات قوية مع القوى السياسية المحلية، كما أنّ صانع القرار المصري غير معتاد منذ عقود على توقيع اتفاقيات دفاعية ونشر قوات عسكرية خارج البلاد، دون غطاء دولي".

 

 

ولم يستبعد فتحي أن "تكون الأزمة الاقتصادية الداخلية وانشغال القاهرة بالوضع في السودان وغزة جعلتها تفضل عدم الانخراط العسكري بهذا الحجم في منطقة لا تحتل الأولوية في الوقت الراهن".

 

ويشير فتحي إلى أن "الصومال كان يبحث عن حماية" فورية، لهذا وُقعت الاتفاقية وصُدق عليها في الصومال في وقت قياسي، ومن المرتقب دخولها حيز النفاذ بعد التصديق عليها من البرلمان والتوقيع من الرئيس التركي. ولكون تركيا تمتلك قاعدة عسكرية كبيرة تشمل تسهيلات بحرية وجوية، فهي الأجدر من الناحية اللوجستية لتوقيع الاتفاقية".

 

من جهته، يعتقد معلم علي أن مصر لن ترغب في الانخراط في ملف الصومال، خاصة في ظل تصاعد التوتّر بينها وبين إثيوبيا بسبب سد النهضة، حيث "من الممكن أن تعتبر أديس أبابا الاتفاقية في حال توقيعها مع القاهرة موجهة ضدها مباشرة كإعلان للحرب".

 

وبحسب فتحي، فإنه "لا وجود لقلق مصري من توقيع تركيا للاتفاقية مع الصومال، حيث إنّ البلدين جادان في العمل المشترك، كما أنّ كليهما له خصوصيته ومكانته لدى الشعب الصومالي. وكما نجحا في إدارة ملف خلافي مثل ليبيا، فهما قادران على العمل سويةً في الصومال".

 

وتابع أنه "من جانب آخر، تدرك أنقرة أنّ العمل المشترك مع مصر في القارة الأفريقية سيحقق لها الكثير مقارنةً بالوضع السابق الذي لم يكن فيه تنسيق، ولهذا تدرك أنقرة أنّ مصالحها الاقتصادية ستحقق في ظل علاقاتها الجيدة بالقاهرة، بدلاً من أن تكون طرفاً في نزاعات المحاور الدولية والإقليمية داخل القارة".

 

ويشرح فتحي أن "العلاقات التركية مع إثيوبيا لم تكن محل رضا من القاهرة، خصوصاً أنّها انخرطت في النزاع الداخلي. ولكن في ظل تراجع العلاقات بين أنقرة وأديس أبابا من جانب، والأزمة الصومالية الإثيوبية، واستعادة العلاقات مع مصر، فلن تغامر تركيا بالإضرار بمصالح مصر في المنطقة، بل يمكن القول إنّ الاتفاقية التي وضعت تركيا في مواجهة إثيوبيا ستقربها أكثر من مصر".

 

ويشير فتحي إلى أنّ "تركيا كانت موجودة في منطقة جنوب البحر الأحمر، من خلال انخراطها في العمليات البحرية كعضو في حلف الناتو، ومن خلال الشراكة مع الولايات المتحدة، ولهذا فتحقيق الأمن البحري للصومال يصب في مصلحة مصر، التي تتأثر وارداتها من المرور في قناة السويس بأي اضطرابات في المنطقة".

 

ويختم فتحي حديثه إلى "النهار العربي" بالقول: "قد تفتح الاتفاقية الدفاعية بين الصومال وتركيا فرصاً اقتصادية لمصر، حيث إنّ حجم الاستثمارات المالية والقدرات العسكرية التي تتطلبها تلك الاتفاقية يتجاوز القدرات التركية، ولهذا هناك فرصة أمام مصر للمشاركة في تحقيق الأمن البحري الصومالي. ومن جانب آخر، فالقاهرة في حاجة إلى دعم أنقرة إذا ما رغبت في الانخراط بشكل أكبر في الصومال، سواء في المجالات العسكرية والاقتصادية والأمنية".

 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية