24-02-2024 | 06:00

شراكة بين موسكو وأنقرة: هل تتحوّل تركيا إلى مركز لبيع الغاز الرّوسي؟

تدرك روسيا أن اعتماد الاتحاد الأوروبي على غازها لن يعود إلى سابق عهده حتى بعد انتهاء الحرب الأوكرانية، اذ أصبحت القوانين الأوروبية أكثر تقييداً لجهة استخدام الوقود الإحفوري والانبعاثات الكربونية من جهة، وغدت حكوماته أكثر حذراً من التعرّض للابتزاز عبر قناة الطاقة من جهة أخرى.
شراكة بين موسكو وأنقرة: هل تتحوّل تركيا إلى مركز لبيع الغاز الرّوسي؟
Smaller Bigger
وجدت تركيا المفتقرة إلى مصادر الطاقة المحلية في الاقتراح الروسي جعل البلاد "مركزاً لتوزيع الغاز الروسي إلى أوروبا" حلاً ناجعاً للتحرر من أعباء فواتير الطاقة التي بلغت مستويات تاريخية عام 2022، إذ كلّفت موازنتها السنوية 96.5 مليار دولار نتيجة الارتفاع العالمي للأسعار على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية.
 
تستورد تركيا 99% من الغاز الطبيعي و92% من النفط الذي تستخدمه سنوياً، لذا فإن أي ارتفاع في أسعار الطاقة عالمياً يؤثّر حتماً على اقتصادها تأثيراً كبيراً ومباشراً، إلا أنّ كلفة استيراد الطاقة تركياً انخفضت في عام 2023 بنسبة 25% تقريباً، وذلك بسبب حصولها على النفط والغاز الروسيين بأسعار أقل من المستوى العالمي المتراجع أصلاً وفق محللين أتراك.

الواقع ليس وردياً كالتصريحات
في منتدى أسبوع الطاقة الروسي في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2022، اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فكرة إنشاء مركز غاز روسي في تركيا، قائلاً إن تركيا ستكون أكبر مركز لإمدادات الغاز في أوروبا، ومنصّة لتحديد أسعار الغاز، بالإضافة إلى توفير الإمدادات للدول الأخرى.
 
ورحّب الرئيس رجب طيب أردوغان بمقترح بوتين الذي يعزز من موقع بلده الجيوسياسي ويحقق له منفعة اقتصادية كبيرة، وقال في اليوم التالي إنه أصدر تعليماته إلى وزارة الطاقة بالعمل على إنشاء مركز للغاز الطبيعي في تركيا.
 
وتكرر الحديث عن إنشاء المركز في عام 2024 خلال اللقاءات الثنائية اللاحقة، لكنّ المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، قال في آذار (مارس) العام الماضي، إن مشروع مركز الغاز مسألة معقّدة للغاية، وبالطبع لا يمكن تنفيذه من دون بعض التأخير، فضلاً عن مشكلات أخرى ذات طبيعة فنية.
 
لكن على الرغم من جو التفاؤل السائد في التصريحات الرسمية لكلا البلدين، يؤكد الخبراء الأتراك في مجال الطاقة ومتابعو السياسة "وجود طريق طويل ينبغي قطعه" قبل تحقيق هدف تحويل تركيا إلى مركز لتسعير الغاز وتوزيعه إلى أوروبا.
 
ويشرح الخبير في قطاع الطاقة وملف الغاز، علي عارف أكتورك، لـ"النهار العربي" أن "الغاز الطبيعي سلعة تتدفق باستمرار على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، ويتم تقييمها في مراكز التداول على أساس يومي، ولحظي، ومستقبلي، وتقلّباته تنعكس على التسليم حالياً وفي اليوم التالي".
 
أكتورك
 
 
ووفق أكتورك فإن إنشاء أي مركز لتنويع الغاز "بحاجة إلى تنويع مصادر استيراده من دون قيود ويعتمد على وجود مشترين متعددين وبائعين متعددين. كما أنه يجب ألا تكون هناك عوائق قانونية أمام عملية الاستيراد والتصدير أو تدخّلات  في الأسعار، وعوائق تجارية لجهة القيود والعقبات الفنية أمام استيراد الغاز الطبيعي".
 
  مفهوم "مركز الغاز"
ترى موسكو في مركز الغاز الطبيعي المقرر إنشاؤه في تركيا مشروعاً جذّاباً يهدف إلى تحقيق مزايا تنافسية للغاز الروسي وبديلاً مهماً لشحن غازها الطبيعي إلى أوروبا، بعد توقّف خطوط أنابيب نورد ستريم 1 و2 ويامال-أوروبا.
 
ويرى أكتورك، وهو مدير سياسات الطاقة في "مؤسسة الديموقراطية التركية" أيضاً، أن "هناك فرقاً كبيراً في المعنى بين ما يحاول بوتين القيام به ومركز التجارة الحقيقي. يسعى بوتين إلى بيع الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر تركيا بعدما توقّف تدفّقه عبر نورد ستريم وأوكرانيا. في عام 2018، بدأ الروس ببيع الغاز الطبيعي بكميات كبيرة لأوروبا من خلال منصة المبيعات الإلكترونية (ESP) التي أنشأتها شركة غازبروم إكسبورت على موقعها الإلكتروني. كان المشترون الأوروبيون يزاودون على القطع عبر المنصة ويتم البيع بسعر التسوية. تم إغلاق هذه الطريقة مع اندلاع الأزمة الأوكرانية. والآن تخطط موسكو وتقترح البيع بالطريقة نفسها على الحدود التركية البلغارية أو خارجها عبر خط تورك ستريم، فيما تطالب تركيا ببيع الغاز الطبيعي الذي يدخل إلى نظام نقل بوتاش (الشركة التركية العامة لخطوط الأنابيب ونقل الطاقة) عبر ايبياش (الشركة الوطنية لإدارة وتشغيل أسواق الطاقة)".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
ويقول أكتورك: "بعبارة أخرى، فإن ما يعنيه الجانبان من مركز الغاز أمران مختلفان تماماً".
 
كانت روسيا تقوم بتصدير غازها إلى أوروبا عبر مجموعة من شبكات النقل هي: خط "نورد ستريم 1 -2" الممتد إلى ألمانيا عبر البلطيق، و"يامال" الواصل إلى بولندا عبر بيلاروسيا، و"تورك ستريم" عبر تركيا، وخطوط أوكرانيا.
 
بعد بدء الحرب الروسية الأوكرانية، توقّف خط "نورد ستريم" بطاقة 55 مليار متر مكعب سنوياً بسبب تفجير إرهابي في عمق البحر، وحالت العقوبات الأوروبية دون إمكان حصول أوروبا على غاز "يامال" الذي تبلغ طاقته 33 مليار متر مكعب سنوياً، كما أعلنت أوكرانيا عدم نيّتها تجديد اتّفاق نقل الغاز عبر الأنابيب الروسية الأوكرانية الموقع عام 2019 لمدة 5 سنوات والبالغة طاقتها 40 مليار متر مكعب سنوياً، ما يعني أنه مع بداية العام القادم يكون "تورك ستريم" البديل الوحيد لإيصال الغاز الروسي إلى أوروبا، وهو الخط الأقل طاقة مقارنة بسابقيه بـ31.5 مليار متر مكعب سنوياً.
 
تسببت حرب أوكرانيا في خسارة روسيا السوق الأوروبية للغاز الطبيعي، كما عطّلت شبكة ضخمة من الأنابيب التي تم تطويرها بتكلفة مئات المليارات من الدولارات منذ وصول أول شحنة للغاز الروسي المنقول إلى حدود النمسا عام 1968.
 
وإذا كان "تورك ستريم" خط الغاز الروسي الوحيد الذي يعبر الأراضي التركية، إلا أن تركيا تحتضن أيضاً شبكة من أنابيب الغاز المهمة لأوروبا:
 
- "جنوب القوقاز"، المعروف أيضاً باسم خط "باكو – تبليسي – إرزروم"، ينقل الغاز الأذربيجاني وغاز بحر قزوين إلى أوروبا بحراً بطاقة 24 مليار متر مكعب سنوياً.
 
- "تاناب" لنقل الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا براً عبر شبكة "ترانس-بلقان" الواصلة بين تركيا واليونان وأوكرانيا.
 
-"بلقان ستريم" لنقل الغاز الروسي عبر تركيا إلى بلغاريا وصربيا والمجر.
 
- بالإضافة إلى خط "تبريز-أنقرة" لنقل الغاز الإيراني، وخط "بلو ستريم" لنقل الغاز الروسي إلى تركيا للاستهلاك محلّياً.
 
يشير السياسي التركي المستقل والخبير في شؤون الطاقة، إيدين سيزير في حديث إلى "النهار العربي" إلى وجود 3 أنواع للدول المنخرطة في عملية بيع الغاز.
 
-دول الممر: حيث يتم تحديد أسعار الطاقة بالاتّفاق بين المشتري والبائع، وتستخدم جغرافية الدولة الانتقالية كجسر بينهما ولا تكون ملكية شبكة النقل تحت تصرف تلك الدولة، مثال تركيا.
 
-دول العبور: حيث يتم تحديد أسعار الطاقة بالاتّفاق بين المشتري والبائع، لكن النقل يتم من خلال شبكة أنابيب مملوكة لبلد العبور وعبر أراضيه، وبالتالي، تكون السيطرة في يد الدولة المعنية ويدفع الطرف الثالث تكلفة الغاز/النفط الذي ينقله إلى شركة بلد العبور، مثال: أوكرانيا.
 
-دول مركز الغاز: وتقوم بإنشاء مركز تجاري فعلي أو افتراضي في البلد المعني، ويحصل هذا المركز على الغاز من جهات عدة ويتم تحديد أسعار الطاقة وفقاً لتوازن العرض والطلب فيه، ويمكن أن يتم دمج مركز الطاقة بالأسواق المالية لذلك البلد وتشغيله من قبل شركاته. مثال: "هانري هاب" في الولايات المتحدة أو NBP, TTF في أوروبا.
 
ويؤكد سيزير "الفارق الكبير بين الأمثلة الثلاثة، وهو يفسر جزئياً الاختلاف في وجهات النظر بين أنقرة التي تريد الحصول على الغاز الروسي من دون أن تفرض الأخيرة عليها  أسعار البيع وشروطه، وموسكو التي تبدو نيّتها أقرب إلى جعل تركيا دولة مرور لكن تحت مسمّى دولة مركز".
 
العقبات 
تدرك روسيا أن اعتماد الاتحاد الأوروبي على غازها لن يعود إلى سابق عهده حتى بعد انتهاء الحرب الأوكرانية، إذ أصبحت القوانين الأوروبية أكثر تقييداً لجهة استخدام الوقود الأحفوري والانبعاثات الكربونية من جهة، وغدت حكوماته أكثر حذراً من التعرّض للابتزاز عبر قناة الطاقة من جهة أخرى.
 
وبرأي أكتورك فإن تراجع الطلب أوروبياً من النقاط الواجب التفكير فيها عند إنشاء مركز الغاز الذي يعتمد على مبدأ العرض والطلب، لكن ما يحول دون إمكان تحوّل تركيا إلى مركز للغاز حالياً هو العائق القانوني الأساسي، والتجاري بدرجة أقل، وجزئياً الفني.
 
وفي جملة العوائق القانونية يشير أكتورك إلى نظام الترخيص "الثقيل والمعقد في شركة إدارة استثمارات الطاقة ايباش، واحتكار شركة النقل الحكومية توفاش سوق الطاقة، وهما سببان رئيسيان يعوقان حرية وصول المستهلكين في السوق التركي العملاق والذي تبلغ سعته 50-60 مليار م3، إلى المركز التجاري المزمع تأسيسه والتداول فيه، لذا فإن شركة غازبروم الروسية لا تحبذ النهج التركي، وتفضّل البيع عند نقطة خروج تورك ستريم 2 مع بلغاريا".
ويضيف أكتورك: "يمكن تلخيص هدف روسيا الرئيسي في البحث عن طرق لإرسال غازها الطبيعي إلى أوروبا، بينما تسعى تركيا إلى القيام ببيع الغاز من مصادر مختلفة عبر نظامها الخاص".
 
وقد استوردت تركيا 4.4 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي في تشرين الثاني (نوفمبر) 2023، بارتفاع 7.5% عن العام الماضي، وفقاً لأحدث البيانات الصادرة عن هيئة تنظيم سوق الطاقة التركي، لتكون روسيا أكبر مورّد للغاز الطبيعي لتركيا خلال الشهر المذكور، بما يقرب من 52% من حاجة تركيا، فيما احتلّت أذربيجان وإيران المركزين الثاني والثالث على التوالي.
 
في المقابل، انخفضت صادرات روسيا من الغاز الطبيعي في أول 11 شهراً من العام الماضي بنسبة 9% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2022.
 
إلى ذلك، يرى الضابط التركي السابق والخبير العسكري والأمني سعاد ديلغين، من جهته، أن "نجاح المشروع يتوقّف أيضاً على هامش تغاضي الدول الغربية عن شراء تركيا الطاقة الروسية وإعادة بيعها، وهذا يتوقّف إلى حد كبير على نتائج الحرب الأوكرانية".
 
ويشير أكتورك إلى اعتقاده أنه "بعد الانتخابات (البلدية في نهاية آذار القادم)، سيتم حتماً إلغاء الدعم عن الغاز الطبيعي، كما أن أسعار الغاز في الأسواق الدولية قد تراجعت، لذلك أتوقّع أن يؤدي هذا إلى تثبيت أسعار أكثر عقلانية ومنطقية من قبل ايباش، وسيكون السوق التركي أكثر ليبرالية مع إزالة الدعم".
 
وبرأي أكتورك "إذا تصرّفت تركيا استباقياً وأزالت كل العقبات، فإن الروس سيجدون أنفسهم، حتى من دون رغبتهم، موافقين على إدخال الغاز الروسي إلى النظام التركي لبيعه بكمّيات أكبر، لأن ما يقترحونه حالياً، لن يسمح ببيع الغاز إلا في حدود سعة تورك ستريم2"، مضيفاً أن "الروس سيجمعون" بين رؤيتهم والرؤية التركية ويجدون طريقة للوصول إلى اتّفاق نهائي.
 
ويختم أكتورك حديثه إلى "النهار العربي" بالقول: "أعتقد أن عصر تنفيذ مشاريع خطوط أنابيب عابرة دولاً عدة سينتهي بعد مدّة، المستقبل هو للغاز الطبيعي المسال LNG ووحدات إعادة تخزين الغاز العائمة FSRU حيث تكون مخاطر الطرق والأسواق أقل بكثير من خطوط الأنابيب العابرة".

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية