أنطاكية بعد عام من الزلزال: لسنا أحياء... ولا أحد يكترث
تتجوّل نجوى منصور مع ابنتها البالغة من العمر 11 عاماً وابنها ذي الـ 5 أعوام بين أنقاض الزلزال بحثاً عن الخشب والحديد. تقول الأرملة الثلاثينية، التي فقدت زوجها الدهّان في زلزال 6 شباط (فبراير) "لـ"النهار العربي": "نحن لا نعيش، بل ننهي يومنا فقط".
تتجوّل نجوى منصور مع ابنتها البالغة من العمر 11 عاماً وابنها ذي الـ 5 أعوام بين أنقاض الزلزال بحثاً عن الخشب والحديد. تقول الأرملة الثلاثينية، التي فقدت زوجها الدهّان في زلزال 6 شباط (فبراير) "لـ"النهار العربي": "لسنا أحياء، بل ننهي يومنا فقط".
تغادر أم رهام مع أبنائها خيمتها البالغة من العمر عاماً في إحدى أحياء مدينة انطاكية مع ساعات الصباح الباكر لجمع خشب التدفئة من برد المساء، والحديد لبيع الكيلو غرام منه بسعر يتراوح بين 8 و10 ليرات تركية (أقل من ثلث دولار أميركي)، لسد الرمق.
وتقول نجوى: "كنا مستورين في منزل يؤوينا، ومع رجل يؤمن لنا متطلبات العيش، لكننا اليوم بتنا بحاجة إلى المساعدات التي قلما تأتي، لا أحد يكترث، لا أحد يأبه بما حلّ بنا".
أنطاكية: أجمل مدن الشرق وأتعسها
قصة نجوى هي قصة أنطاكية التي كانت إحدى أجمل مدن الشرق منذ نشأتها في القرن الثالث قبل الميلاد، قبل أن تتحول إلى أكثر مدنه بؤساً وتعاسة. وكأنه لم يكفها الزلزال، جاءت السياسية لتجهز على من وما تبقّى صامداً في المدينة، التي اتّفق على عزلها كل من السلطة والمعارضة.
استفاق سكّان انطاكية في ولاية هاتاي (لواء إسكندرون) فجر 6 شباط من العام الماضي ليشاهدوا، كما غيرهم من سكّان الولايات التركية الإحدى عشرة، كيف تتحول منازلهم وأحياؤهم والشوارع التي قضوا فيها طفولتهم وساروا فيها وهم كبار، إلى ركام.
تصدّرت ولاية هاتاي لائحة الخسائر البشرية والمادية إثر كارثة الزلزال. بحسب الأرقام الرسمية، فإن 23065 ضحيّة من أصل 53537 و30762 جريحاً من أصل 107204 مصاب في الزلزال هم من أبناء الولاية.
وفي تناقض يكشف هول الفاجعة، فإن الولاية الأكثر تضرراً من الزلزال حصلت على أدنى عدد وأقل كمية من المساعدات خلال أعمال الإنقاذ وبعدها. طلب سكّان أنطاكية المساعدة، لكن الحكومة التركية لم تستجب، طلبوا الخيم، لكن الهلال الأحمر لم يتمكّن من توفيرها.
تؤكد الكاتبة حميدة رنجوز أوغوللاري، من سكان بلدة سامانداغ في ريف أنطاكية أن "مأساة أنطاكية وما حولها لم تقتصر على انعدام المساعدات فقط، بل حتى المساعدات العينية التي أرسلها أبناؤها المغتربون بالتبرّع بها تم حجبها عن السكّان بحجج تنظيم التوزيع وترتيب الأولويات ونقلها إلى أماكن أخرى".

في سلسلة الدعاوى القضائية المرفوعة ضدّها بسبب مؤلّفاتها السياسية عن دور الحكومة التركية في دعم الفصائل الراديكالية في سوريا وغيرها، واجهت رنجوز أوغوللاري دعوى قضائية جديدة رفعها ضدها الهلال الأحمر التركي بسبب انتقادها لموقف المنظمة الإنسانية المتعصّب ضد المنطقة.
وتقول رنجوز أوغوللاري: "شاركت عبر حسابي في مقابلة لإحدى وسائل الإعلام الأجنبية الناطقة بالتركية مع متطوعة في الهلال الأحمر، روت كيف أن المسؤولين في المنظّمة حضوا المتطوعين على عدم التوجّه إلى أنطاكية وعدم مساعدة أهلها لأنهم لا ينتمون إلى الأمة التركية لا قومية ولا ديناً".
وبعد عام من الجلسات القضائية حصلت رنجيز أوغوللاري على حكم براءتها، "لكنّه لا يعيد الضحايا الذين خسرناهم بسبب تباطؤ الجهات المعنية في نجدة العالقين تحت الأنقاض، والناجين، الذين بقوا لأيام وأشهر دون مأوى ولا ملبس في أكثر أشهر الشتاء برداً"، حسب قولها.
وعلى الرغم من مرور عام على الفاجعة، إلا أن أنطاكية وريفها لم ينجحا في لملمة جراحها، "مثل نجاح الحكومة في إزالة الأنقاض فقط"، حسب ما تؤكّده إيجي دوغرو من جمعية "ضحايا زلزال هاتاي، قائلة: "ما زلنا نواجه صعوبة في الوصول حتى إلى أبسط احتياجاتنا الأساسية. يستمر انعدام خدمات التعليم والصحة والعديد من القضايا الأخرى".
وأضافت: "لا يزال هناك انقطاع للكهرباء والمياه لمدة تصل أحياناً إلى 10 أيام في بعض الأحياء"، في حين أن الكثير من الأحياء محرومة من خدمات البنى التحتية بشكل كامل.
وتسببت حالة اللامبالاة الرسمية في نوع من الاعتياد لدى الناس على السير في الشوارع المحطّمة والموحلة "وتمت إزالة الأنقاض فقط، ولم يتغير أي شيء آخر في المدينة خلال عام كامل" تقول الصحفية فوندانور أوزتورك من موقع "بي بي سي" باللغة التركية عن مشاهداتها في أنطاكية في اليوم التالي للزلزال واليوم.

وأعلنت الحكومة التركية عن جمع 115.1 مليار ليرة من المساعدات لإغاثة منكوبي الزلزال من خلال القنوات التلفزيونية، إلا أن الناس في هاتاي لا يزالون يعانون من مشاكل المياه والتدفئة والمأوى، بالإضافة إلى الأطفال المفقودين الذين بلغ عددهم 38 طفلاً لم يتم العثور على جثثهم حتى اليوم.
وتشرح دوغرو أن "الناس غاضبون ولكنهم منهكون. نحاول إنقاذ يومنا بدلاً من لعنة ما نمرّ به".
ابتزاز انتخابي
في مقابلة مع الرئيسة المشتركة لحزب "ديم" الموالي للكرد، وهي من سكان ولاية هاتاي، بعد يوم من الزلزال العام الماضي، وصفت تولاي حاتم أوغوللاري لـ"النهار العربي" تعاطي الحكومة التركية مع المنطقة بـ "معاملة الأب لولده غير الشرعي".
لطالما اعتبرت حكومة العدالة والتنمية، والحكومات التركية اليمينية التي سبقتها، الولاية "غريبة" أو "ابناً ضالاً"، فهي التي تحتضن أكبر قاعدة لليسار في البلاد، وأوسع خليط ديني وعرقي حافظ على هويّته من علويين وبكداشيين ومسيحيين وكرد وروم وأرمن وسريان ولاز وغيرهم.
ولم ينسَ الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان "خيانة" أبناء الولاية له عندما قسّموا أصواتهم في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بينه وبين خصمه مرشّح المعارضة كمال كليتشدار أوغلو، الذي نال عدداً أعلى من الأصوات بنسبة 0.05%.

أما "الخيانة" الأكبر فكانت اختيار سكّان هاتاي لمرشّح حزب الشعب الجمهوري كرئيس للبلدية الأكبر في الولاية، وهو ما شدد عليه أردوغان في زيارته إلى المنطقة قبل أيام بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للزلزال، قائلاً "إذا لم تتعاون الحكومة المركزية والإدارة المحلية في مدينة ما، فلن تحصل تلك المدينة على أي خدمة. هل حصلت هاتاي على أي شيء (خدمات)؟ لقد أصبحت هاتاي يتيمة وحزينة".
كلمات أردوغان تلك التي صدحت وسط أنقاض المدينة الأكثر تضرراً من الزلزال موجّهة إلى أكثر سكّان البلاد بؤساً من الفاجعة، أشعلت حالة من الغضب في كواليس السياسة التركية وبين نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، لينبري الجميع مستهجناً "هذا التهديد الرخيص"، حسبما وصفته المعارضة التركية.
تقول رنجيز أوغوللاري لـ"النهار العربي" "أردوغان مارس فعلاً أسوأ من الابتزاز السياسي. لقد هدد صراحة سكّان الولاية بأنهم لن يحصلوا على حقوقهم كمواطنين في الجمهورية التركية، إذا لم يمنحوا أصواتهم للحزب الحاكم".
وتؤكّد الكاتبة أنّه "في حين تقوم الحكومة بتوزيع مفاتيح الشقق وإجراء القرعات على المساكن المشيّدة في المدن والولايات الأخرى، ترفض حتى اليوم نقل الكثير من سكّان الخيم في هاتاي إلى مقصورات حديدية لتوفير شروط أفضل ولو بدرجة من الواقع الذين يعيشون فيها".
في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، حصل الائتلاف الحاكم على ما يقارب نصف أصوات الولاية، مقابل 36% لائتلاف المعارضة السداسية، و11% للتيار الثالث الموالي للكرد، و2% لليساريين غير المتحالفين مع التيار الثالث، و1% لليمين القومي المتطرف.
رقص أنصار "حزب العدالة والتنمية" المنتشون بالنصر في الانتخابات أمام أنقاض المباني المنهارة على الرغم من معاناة مئات الآلاف من سكّانها.
وفي حين اختارت الولاية المحامي السجين قيد المحاكمة في دعوى أحداث حديقة غيزي جان أتالاي، نائباً لها في البرلمان التركي عن حزب "العمل التركي" اليساري، إلا أن السلطات التركية لم تكتف فقط برفض إطلاق سراحه، بل قامت باستصدار قرار من البرلمان بقوّة أغلبيّتها النيابية لإسقاط عضوية النائب البرلمانية خلافاً للدستور مرّتين: أوّلها حينما رفضت وزارة العدل تطبيق قرار المحكمة الدستورية العليا بضرورة إطلاق سراح أتالاي، والثانية حينما استغلّت نفوذها السياسي داخل البرلمان من أجل ضرب إرادة الناخبين الأتراك في الولاية.
الحكومة والمعارضة اتّفقا على معاقبة هاتاي
ولكن، في المقلب الآخر، فإن مواقف المعارضة الأم في البلاد، "حزب الشعب الجمهوري"، لا تبدو متوافقة مع مزاج سكان الولاية، وإن كانت أقل حدة وتفرقة من مواقف السلطة.
على الرغم من معارضة سكّان الولاية لرئيس بلديّتهم، لطفي سافاش، من "حزب الشعب الجمهوري" وتحميله مسؤولية ازهاق الكثير من الأرواح بسبب الاستثناءات التي منحها للكثير من مشاريع الإعمار والبناء المخالفة للنظام الإنشائي ومعايير السلامة العامة، إلا أن الحزب أعاد ترشيح سافاش لرئاسة البلدية في الانتخابات المحلّية المقررة في نهاية آذار (مارس) المقبل.
ردّت غالبية السكّان على قرار الحزب باستقبال سافاش خلال زيارته المنطقة بمناسبة الذكرى الأولى لكارثة الزلزال بصيحات الاستهجان والصفير والشتائم، ومنعه من الوصول إلى المنصّة، في ظاهرة شبيهة لاستقبال وزير الصحة فخر الدين قوجا، من "حزب العدالة والتنمية" ما يشير إلى سخطهم من السلطة والمعارضة على حد سواء.
ويبدي الصحافي التركي جان دوندار استغرابه من الحزب الحكم، حينما كافأ وزير التخطيط العمراني خلال كارثة راح ضحيتها ما لا يقل عن 53000 شخص، بترشيحه لرئاسة بلدية إسطنبول، وإعادة ترشيح المعارضة لرئيس بلدية منح تصاريح مشبوهة بالفساد لإنشاء مبان وفشل في عمليات التنسيق بعد الكارثة، وزيارة وزير للصحة لم يتمكّن من توفير حتى الأكفان والنعوش للموتى لحفل تأبين".
يقول دوندار :"كأن الحكومة والمعارضة اتّفقا على معاقبة "هاتاي"".
مضى عام على الزلزال، لكن أنطاكية لا تزال عاجزة عن تضميد جراحها، فغالبية سكّانها الناجين لا يزالون نازحين إلى مناطق أخرى، والسوق التجاري وسط المدينة، الذي كان يعجّ يوماً بالسيّاح والزوار وحتى المتبضّعين من الريف والقرى القريبة والبعيدة، يبدو أنها لن تعود بعد الآن ملكاً لصغار الكسبة من أبناء المدينة، بعد قرار الحكومة مصادرتها لصالح "مشروع إعادة الإعمار".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض