03-05-2023 | 13:27

تركيا بين التضخم والفقر والفساد... هل تحقق "الوعود الاقتصادية" للمعارضة الفوز في الانتخابات؟

ركّزت حملة "تحالف الأمة" المعارض على الأخطاء التي ارتكبتها السلطة في سياساتها الاقتصادية، والنتائج التي أدت إليها الممارسات الاقتصادية الخاطئة متوعّدة بـ"إصلاح النظام الاقتصادي الخاطئ".
تركيا بين التضخم والفقر والفساد... هل تحقق "الوعود الاقتصادية" للمعارضة الفوز في الانتخابات؟
Smaller Bigger
استأثر الملف الاقتصادي بالحيز الأهم في البرامج والمشاريع الانتخابية لتحالفي السلطة والمعارضة التركيتين على حد سواء وفق استراتيجيات تلاقت عند وعود تطوير الاقتصاد وتأمين متطلبات معيشية أفضل للمواطن التركي، مع تعدد الطرق والأساليب المعلنة.
 
ففي حين ركّزت حملة "تحالف الأمة" المعارض على الأخطاء التي ارتكبتها السلطة في سياساتها الاقتصادية، والنتائج التي أدت إليها الممارسات الاقتصادية الخاطئة متوعّدة بـ"إصلاح النظام الاقتصادي الخاطئ"، أقدمت السلطة على خطوات عملية لإشعار الناخبين الأتراك، ولو بشكل موقت، بتحسّن ظروفهم المعيشية من قبيل اعفائهم من فواتير الغاز لمدة شهر وتقديم قروض سكنية بفوائد منخفضة وغيرها.
 
 
 
الاقتصاد يتصدّر هموم الناخب التركي
شكّلت الوعود الاقتصادية العمود الفقري لـ "مذكّرة تفاهم السياسات المشتركة" لتحالف الأمة المشكّل من أحزاب الطاولة السداسية، حيث أفرد التحالف الأبرز في المعارضة التركية، 100 صفحة من أصل 240، لتوضيح خريطة الطريق المتعلّقة بتحسين الاقتصاد، والذي بات المشكلة الأكثر إلحاحاً بالنسبة للناخب التركي.
 
 
 
ومن بين الوعود التي قدمها التحالف المعارض لتفعيل الاقتصاد وتحسين المعيشة في البلاد، خطوات عملية لمكافحة الفساد والفقر واستقلال المؤسسات الاقتصادية، خصوصاً البنك المركزي، وتخفيض التضخّم إلى ما دون 10 في المئة خلال عامين، ورفع متوسط معدل النمو الاقتصادي إلى أكثر من 5 في المئة، ومضاعفة نصيب الفرد من الدخل بالدولار، ودعم استقرار سعر صرف الليرة التركية، وتخفيض معدّلات البطالة إلى ما دون 10 في المئة ورفع قيمة الصادرات إلى أكثر من 600 مليار دولار وغيرها.
 
تنسجم هذه الوعود مع اهتمامات الجمهور التركي، الذي يرى في تحسين الاقتصاد أولوية قصوى للسلطة القادمة سواء بقي رجب طيب أردوغان أم اقصته المعارضة. فقد كشف استطلاع للرأي أجرته شركة "ميتروبول"، وهي إحدى الشركات الرائدة في أبحاث الرأي العام في تركيا، أن 56.1 في المئة من الجمهور التركي يعتبر الاقتصاد مشكلة البلاد الأكبر، مقابل 2.2 في المئة لـ"الإرهاب" الذي كان في وقت من الأوقات "الورقة الرابحة" للائتلافات الحكومية في البلاد.
 
واعتبر 2.2 في المئة من المشاركين في استطلاع "ميتروبول"، السوريين، أكبر مشكلة تعاني منها تركيا، في تراجع واضح لتأثير الملف المذكور أيضاً على مزاج الناخب، مع الإشارة إلى أن رفض السوريين في تركيا ينطلق من ربط ملفهم بالتراجع الاقتصادي واستنفاد موارد البلاد، وبالتالي قد يكون عداء اللاجئين منصهراً في نسبة المتمسّكين بكون الاقتصاد أزمتهم الأساسية.
 
بالعودة إلى خطة المعارضة الاقتصادية، يمكن ملاحظة عناوين مشابهة، بل وتطابقها في بعض البنود، مع خطة انتشال الاقتصاد التركي بعد أزمة 2001، والتي يعتبرها الكثير من المتخصصين، أبرز عوامل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في انتخابات عام 2002، في دليل على سعي المعارضة لمحاربة الرئيس التركي بالسلاح الذي استخدمه للإطاحة بآخر حكومة ائتلاف في تاريخ البلاد منذ عقدين من الزمن.
 
العدالة والتنمية: من الرفاه إلى الأزمة الاقتصادية
وصل حزب العدالة والتنمية، الذي تأسس في 14 آب (أغسطس) 2001 على انقاض حزب الرفاه، إلى السلطة بالزمن مع تراجع النمو الاقتصادي بسبب أزمة 2001- 2002 الاقتصادية، حيث كان نمو الاقتصاد التركي وقتها في أدنى مستوى له على مدى عقود.
 
مع وصول "العدالة والتنمية" إلى السلطة في انتخابات 3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2002، واصل تنفيذ الإصلاحات التي تم إقرارها في نيسان (أبريل) 2001 بتوقيع وزير الاقتصاد السابق كمال درويش. وفي هذا السياق نفذت حكومة العدالة والتنمية إصلاحات عامة للغاية في النظام المالي ومنحت استقلالية أكبر للمؤسسات المالية، وعلى رأسها البنك المركزي التركي، إضافة إلى إنشاء مؤسسات أخرى مثل وكالة التنظيم والرقابة المصرفية، وصندوق تأمين ودائع الادخار وغيرها.
 
إضافة إلى الإصلاحات في حينه، استمرت اتفاقية الجاهزية (Stand by) مع صندوق النقد الدولي (IMF)، والتي وفّرت تدفّقاً كبيراً للموارد إلى تركيا.
الإصلاحات المذكورة والاتفاق مع صندوق النقد الدولي أدّيا إلى قفزة كبيرة جداً في الاقتصاد التركي بعد عام 2002، استمرت حتى الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008. في فترة ما بعد عام 2008، سهّل التوسع النقدي للبنوك المركزية في الاقتصادات الكبيرة تدفّق السيولة النقدية الساخنة إلى البلاد، بالتزامن مع اقتراب أسعار الفائدة عالمياً من الصفر، مقابل دفع تركيا معدلات فائدة عالية، ما أسهم في جذب الأموال الساخنة في ظل ظروف اقتصاد السوق الناشئ ووفرة العملة الأجنبية.
لكن، تكلفة هذا النمو كانت كبيرة أيضاً، حيث أدّى إلى انخفاض كبير في نسب المدّخرات الوطنية، والأهم من ذلك إلى البطالة المزمنة وتراجع التصنيع، إذ تشير دراسة لجامعة "قادر هاس" إلى أن حصة الصناعة التحويلية في الدخل القومي انخفضت إلى 15 في المئة في الأعوام من 2008 – 2010.
 
شهد الاقتصاد التركي خلال الأعوام الخمسة الأخيرة خصوصاً تبدّلات كبيرة في مؤشرات النمو سلباً، بررتها الحكومة مؤخراً بخطة سمّتها "الشكل التركي في الاقتصاد" تقوم على فكرة غير تقليدية بل ومنافية للنظريات الاقتصادية، بتخفيض أسعار الفائدة بشكل متواصل كطريقة لضبط التضخّم المتزايد بشكل متواصل.
 
تسببت الفوائد المنخفضة وسياسات التوسع النقدي، التي تمّ تنفيذها خلال السنوات الأخيرة إلى ارتفاع الديون، حيث أعلنت وزارة الخزانة والمالية التركية في بيانات مطلع العام الحالي، وصول إجمالي رصيد الدين الخارجي للبلاد إلى 459 مليار دولار، محطّماً بذلك كل الأرقام السابقة في تاريخ البلاد، إضافة لوصول التضخّم إلى مستويات قياسية، حيث أعلن معهد الإحصاء التركي، أن معدل التضخم بلغ في نهاية عام 2022، 64.27 في المئة، فيما أكدت مجموعة أبحاث التضخم (ENAG) تجاوز المعدّل 137 في المئة.
 
ويشير خبراء الاقتصاد الأتراك إلى أن السبب الأهم في التراجع الاقتصادي على الأصعدة كافة هو استغلال حزب العدالة والتنمية لتدفق الأموال الساخنة خلال فترة الرخاء الاقتصادي من أجل بناء نظامه الخاص وتمتين هيكله السلطوي، بدلاً من تطوير الاقتصاد القادر على جلب المزيد من الرفاهية للمواطنين، كما كان الحال في بداية حكم الحزب الإسلامي.
 
وعود اقتصادية سخيّة من المعارضة التركية
في خطبه العامة في المدن والولايات خلال الحملة الانتخابية وفي مقاطع الفيديو القصيرة التي سجّلها من مطبخ منزله، واصل المرشح الرئاسي لتحالف الأمة كمال كليتشدار أوغلو إطلاق الوعود الاقتصادية، التي يمكن تلخيص أبرزها بإنشاء مناطق اقتصادية خاصة تغطي كامل الجغرافيا التركية، و 17 مركزاً للزراعة والثروة الحيوانية، واستثمار 123 مليار دولار في السنوات الخمس الأولى، و300 مليار دولار في نهاية السنوات العشر، 20 في المئة من هذه الاستثمارات بالموارد العامة، وتخفيض معدل البطالة إلى أقل من 5 في المئة في السنوات الخمس الأولى، وزيادة مكافآت الأعياد الممنوحة للمتقاعدين لتبلغ الحد الأدنى للأجور، وتقديم إعانة مالية شهرية لكل عائلة محتاجة، وتخصيص منازل جديدة لضحايا الزلزال مجاناً.
 
 
يلفت أعضاء تحالف الأمة الانتباه إلى أهمية الديموقراطية وسيادة القانون من أجل تصحيح مسار الاقتصاد. وعلى الرغم من صحة هذه الفرضية، إلا أنّها تبقى ناقصة، أو محدودة التأثير على المديين القريب والمتوسط، إن لم تقترن بخطوات سياسية إصلاحية، اذ يعتبر الخطر الأكبر أمام "تحالف الأمة"، ضمان الاستقرار السياسي والحفاظ عليه من خلال التحالف ذات المشاركة الواسعة والمتعددة.
 
في ظل الأرقام الحالية للاقتصاد التركي، تظهر وعود المعارضة الاقتصادية أنها أقرب إلى "الشعبوية" منها إلى الواقعية.
إضافة إلى كل ما سبق يعد كليتشدار أوغلو بإعادة الأموال المحوّلة من الخزينة التركية إلى الشركات التي يسميها بـ"العصابة الخماسية"، وهي خمس شركات مقاولات كبرى مقرّبة من الرئيس أردوغان تستحوذ على غالبية عقود تأسيس وبناء البنى التحتية في البلاد، كما أنّه يؤكد قدرته على إعادة الاستثمارات الأجنبية إلى تركيا التي ابتعدت في السنوات الأخيرة بسبب الاضطرابات السياسية والاقتصادية.
 
التقى كليتشدار أوغلو، الذي وعد بجذب الاستثمارات الأجنبية إلى تركيا، بممثلين للمؤسسات المالية الدولية خلال زياراته الخارجية الأخيرة. ويعوّل الخبراء الأتراك على أن تؤدي سياسات مكافحة التضخم ودعم استقرار سعر صرف الليرة التركية، التي وعدت بها المعارضة، إلى ازدياد جاذبية تركيا بالنسبة للمستثمرين الأجانب.
 
ازدادت الميزانية العامة للاحتياطي الفدرالي الأميركي لتصبح عند مستويات 8.6 تريليون دولار، ويأمل الأتراك بأن تتيح عودة أنقرة إلى السياسات الاقتصادية التقليدية والمقبولة عالمياً، فرصة الاستفادة من هذه السيولة، نظراً للمقوّمات الاستثمارية الكبيرة التي تملكها البلاد من اليد العاملة الفتية، إلى البنية التحتية القوية، والموقع الجيوسياسي الهام، والعلاقات المستقرة مع كل الدول، حسب وعود المعارضة التركية.
 
في المقابل، تشير الأرقام الرسمية الصادرة إلى عجز قياسي في الموازنة مستقبلاً، ما يعني تقييد أيدي الحكومة المقبلة بعد انتخابات 14 أيار (مايو)، سواء فازت السلطة أم المعارضة، والتي باتت أقرب إلى انتهاج "الاقتصاد الانتخابي" القائم على القرارات الاقتصادية الشعبوية التي تستهدف الجماهير على نحو يخل بالتوازن الاقتصادي العام.
 
قدّرت الحكومة التركية عجز الموازنة التقديري لهذا العام بـ 660 مليار ليرة تركية (36 مليار دولار تقريباً)، لكن ثلث هذا الرقم تم تسجيله في شهري كانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير) الماضيين فقط، حيث بلغ العجز في نهاية شباط (فبراير) الماضي 202.8 مليار ليرة تركية، ومن المتوقّع أن تبلغ نسبة العجز إلى الناتج المحلي مع نهاية العام 6 في المئة، وهو أعلى من معايير ماستريخت، التي ينص عليها الاتحاد الأوروبي للدول الراغبة في عضويتها، والتي تشترط عدم تجاوز نسبة عجز الموازنة إلى الناتج المحلي الإجمالي 3 في المئة.
 
بالنظر إلى تاريخ الانتخابات التركية، يمكن القول إن التضخم المرتفع أدّى دائماً إلى خسارة أحزاب السلطة للأصوات، وبالتالي تزيد قناعة المتخصصّين الأتراك بأن الممارسات الاقتصادية الشعبوية غير قادرة على ايقاف نزيف الأصوات، لأنها ستؤدي حكماً إلى ازدياد التضخم، نتيجة للوعود الانتخابية القائمة على زيادة الإنفاق، مقابل عدم كفاية منع الهدر والفساد الناجم عن السياسات الاقتصادية الحالية كمصدر للزيادة المذكورة.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
تُعَدّ هذه الجريمة المروّعة من أكثر عمليات إطلاق النار الجماعي دموية في الولايات المتحدة منذ أكثر من عامين!