لوائح "العدالة والتنمية" للانتخابات النيابية التركية... وجوه جدلية "طارت" ووزراء الحقائب السيادية حجزوا مقاعد
في الوقت الذي تتركّز فيه الأنظار على صناديق الاقتراع للانتخابات الرئاسية في تركيا، فإنّ معركة أخرى لا تقلّ شراسة عن صراع الرئاسة تخوضها الأحزاب السياسية للحصول على أكبر عدد ممكن من المقاعد النيابية داخل البرلمان.
في الوقت الذي تتركّز فيه الأنظار على صناديق الاقتراع للانتخابات الرئاسية في تركيا المقررة في 14 أيار (مايو) المقبل، في ظل منافسة محتدمة بين الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان ومرشّح "تحالف الأمة" الانتخابي كمال كيليتشدار أوغلو، فإن معركة أخرى لا تقلّ شراسة عن صراع الرئاسة تخوضها الأحزاب السياسية للحصول على أكبر عدد ممكن من المقاعد النيابية داخل البرلمان التركي.
فقد تقدّمت التحالفات والأحزاب السياسية التركية، يوم الإثنين الماضي، بقوائم مرشّحيها للانتخابات النيابية في دورتها الثامنة والعشرين المقررة في 14 أيار (مايو) المقبل، إلى المجلس الأعلى للانتخابات.
تغيير كبير في لوائح العدالة والتنمية
أدّى قرار "مجلس الإدارة والقرار المركزي" في حزب العدالة والتنمية والقاضي باستبعاد نوّاب دورتين برلمانيتين متتاليتين من الترشّح للدورة الثالثة، إلى اقصاء حوالى نصف نوّاب الدورة الأخيرة (السابعة والعشرين) من قوائم ترشيح حزب العدالة والتنمية، لتتكرر أسماء 104 نواب سابقين مقابل استبعاد 181 آخرين بينهم العديد من الأسماء المؤثّرة والبارزة في صفوف الحزب، كنائب رئيس مجلس الإدارة والقرار المركزي في الحزب بن علي يلدريم، ورئيس البرلمان مصطفى شينتوب، ورئيس كتلة الحزب النيابية عصمت يلماز، وغيرهم.

ويرى المنسّق العام لمركز "يونيلم" التركي للأبحاث والدراسات، د. داريا كومورجو، في تصريح لـ"النهار العربي" أن "تفعيل العدالة والتنمية لقراره السابق باستبعاد المرشّحين للدورة الثالثة، لم يكن مفاجئاً، فالكوادر الحزبية تعاني من الانهاك والخمول في الوقت ذاته، كون النظام القائم على الفرد قد أفقد الكثير من النوّاب ثقلهم وفاعليتهم".
ويشير كومورجو وهو محاضر في العلوم السياسية، إلى أن "إحداث تغييرات في لوائح المرشّحين هو تكتيك معتاد بالنسبة للعدالة والتنمية في سعيه لنشر انطباع بالتجديد والتغيير في أوساط الناخبين الأتراك".
وبلغت نسبة التغيير في قائمة مرشّحي العدالة والتنمية إلى الانتخابات النيابية مقارنة مع النواب الحاليين، 65%، أصغرهم نيسا ألبتكين، 18 عاماً عن دائرة إزمير الأولى، وأكبرهم شامل إيرم، 73 عاماً، عن دائرة اسطنبول الثالثة.
استبعاد الأسماء المثيرة للجدل
إلى جانب هؤلاء، كان لافتاً للانتباه، قيام الحزب الحاكم بإبعاد أسماء وشخصيات مثيرة للجدل من قوائمه الانتخابية، وهو ما فُسّر كرسالة إلى الناخب المؤيد حول عزم "العدالة والتنمية" على تغيير سياساته ومحاسبة المسيئين لخطّه السياسي ومبادئه الايديولوجية.
أبرز الأسماء "الجدلية" التي تم استبعادها، النائبة عن "ارزروم"، زهراء تاشكيسين أوغلو، التي ذاع صيتها بعد ادّعاءات المافيوزي التركي سيدات بيكير، والذي اتّهمها بابتزاز المطلوبين، خصوصاً من أنصار منظمة فتح الله غولن، إضافة إلى تلقّيها رشاوى بملايين الدولارات مقابل تسهيل حصول رجال أعمال على مشاريع حكومية، وهي التي رفعت دعوى طلاق ضد زوجها السابق مطالبة إياه بتعويض قدره 70 مليون ليرة تركية (حوالى 4.5 ملايين دولار).
كما استبعد الحزب الحاكم عن قوائمه النائب تولغا أغار، نجل وزير الداخلية التركي الأسبق محمد أغار، الذي تكرر اسمه في العديد من مقاطع الفيديو التي سجلها المافيوزي التركي سيدات بيكر حيث اتّهم تولغا آغار في أحد تسريباته بالاعتداء جنسياً على يلدانا كهارمان، الإعلامية الكازاخستانية التي كانت تعمل كمراسلة في محطة تلفزيونية تركية، ومن ثم تصفيتها في منزلها، بعد تقديمها شكوى جنائية إلى السلطات التركية. كما ورد اسم محمد أغار في العديد من قضايا الابتزاز والاستيلاء على أملاك ومشاريع رجال أعمال بعد اتّهامهم بالتعامل مع منظمات ارهابية، إضافة إلى تجارة المخدّرات، بحسب ادّعاءات بيكير أيضاً.

ويُرجع كومورجو هذه الخطوة إلى "اضطرار العدالة والتنمية، الذي يعاني من صعوبة في زيادة أصواته في الانتخابات المقبلة، إلى تقديم صورة بأنه يقوم بعملية تصفية وتطهير لصفوفه من شخصيّات اقترنت أسماؤها بعلاقات المكاسب الفردية والفساد، في رسالة إلى الناخبين عموماً، وقاعدته الشعبية على وجه الخصوص".
ويضيف كومورجو أنه "إضافة إلى ذلك، هناك رسالة موجّهة إلى الحزبيين مفادها التهديد بالإقصاء في حال تورّطهم في مثل هذه العلاقات، كما أن هناك الكثير من الشخصيات الحزبية التي اعتبرت أن الحزب ابتعد عن خطّه العقائدي والأيديولوجي، وبالتالي مثل هذه الخطوة تعزز الثقة بالحزب لدى تلك الفئة أيضاً".
إضافة إلى الاسمين السابقين، فقد غاب كل من ظافر إيشيك، الذي قام بضرب النائب عن حزب الجيد، حسين أورز، خلال مناقشات الموازنة في البرلمان وتسبب في ادخاله إلى وحدة العناية المركزة، والنائب شينل يديلدز، الذي أثار ردود أفعال مستهجنة بتصريحاته التي جاء فيها: "علينا أن نحمل الأخ أردوغان على أكتافنا، علينا أن نمسح حذاءه.
ويستبعد كومورجو، المطلع على استطلاعات الرأي التي يقوم بها المركز بشكل دوري في المجتمع التركي، أن يكون لإقصاء هذه الأسماء تأثيراً ملموساً على الناخبين.
ترشيح الوزراء للنيابة
في المقابل كان لافتاً للأنظار ترشيح الحزب أغلب الوزراء في الحكومة الحالية باستثناء وزيري الصحة فخر الدين قوجة والثقافة والسياحة محمد نوري ارسوي، اللذين رفضا الترشّح بقرارهما الشخصي، ليكون عدد الوزراء المنافسين في الانتخابات البرلمانية 15، تم تحديدهم على رأس قوائمهم الانتخابية.
ويرى كومورجو أن السبب في تقديم الوزراء كمرشّحين نيابيين هو "غياب الثقة بقدرة أردوغان على الفوز بالرئاسة، ما يعني انعدام تعيين هؤلاء كوزراء بعد الانتخابات، وبالتالي ضرورة ادخالهم إلى البرلمان من أجل منحهم الحصانة البرلمانية، خصوصاً الأسماء المتورّطة بملفات فساد كما هو الحال بالنسبة لوزير الداخلية سليمان صويلو".
ويمنع النظام التركي الجمع بين النيابة والوزارة، وبالتالي فإن ترشيح وزراء بحقائب سيادية كالخارجية والداخلية والدفاع للنيابة يفرض احتمالين، إما الاستقالة من البرلمان لتسلّم الحقيبة الوزارية مجدداً، وهو خيار سيزداد صعوبة في ظل التوقّعات بأن تكون أعداد الكتل النيابية للأحزاب متقاربة، وبالتالي ستكون استقالة أي نائب من كتلة العدالة والتنمية بمثابة مغامرة محفوفة بالمخاطر، أو يؤشر إلى استبعاد هذه الأسماء أو أغلبها على الأقل من وزاراتهم، والاحتمال الأكثر ترجيحاً.
ويؤكد كومورجو أن "استطلاعات الرأي تشير إلى اعتقاد سائد لدى الناخب التركي بكون ترشيح الوزراء وسيلة لاكسابهم الحصانة البرلمانية" لإنقاذهم من ملاحقات قانونية محتملة مع تسلم المعارضة زمام الحكم.
ويضيف أن "السبب الآخر هو الايحاء ببدء مرحلة جديدة من الحكم بأسماء جديدة، إضافة إلى تحفيز بعض الأسماء داخل الحزب من الذين لم يتم ترشيحهم ضمن القوائم النيابية وحضّهم على مواصلة العمل بنشاط لإمكان تعيينهم في مناصب وزارية مستقبلاً".
إضافة إلى كل ما سبق، يتيح هذا الاجراء لأردوغان امكان "التخلّص" من بعض الوزراء، وهو ما يؤيّده كومورجو بالقول: "يتداول الرأي العام منذ فترة طويلة أنباء استياء أردوغان من وزير الداخلية سليمان صويلو، وأنا أرى تجريد شخصية مثل صويلو من منصبه كوزير للداخلية وترشيحه للنيابة بمثابة كسر لمرتبته ونوع من الاعفاء من منصبه، وهذا التحليل سارٍ أيضاً بالنسبة لعدد من الوزراء الآخرين".
ولا يستبعد كومورجو أن يكون هناك هدف تكتيكي أيضاً بترشيح الوزراء، متمثّل في "خلق مرشّحين نيابيين بأصوات مسموعة بالنسبة للناخب التركي، لأن نواب العدالة والتنمية فقدوا أهمّيتهم كنواب في السنوات الخمس الماضية، وبات الحزب يتواصل مع المجتمع عبر قناة رجب طيب أردوغان فقط، لذلك فإن انخراط الوزراء في الدعاية الانتخابية يمنح ميزة للعدالة والتنمية لجهة مخاطبة شخصيات معروفة للجمهور التركي".
في ظل وعود المعارضة الانتخابية بالانتقال إلى "النظام البرلماني المدعّم" في حال فوزها في الانتخابات المقبلة، فإن وجود نواب للعدالة والتنمية بخبرات في العمل الحكومي والوزاري قد يكون مفيداً بالنسبة للرئيس التركي في حال خسارته للانتخابات الرئاسية، وهو قد يكون أحد الأسباب الكامنة وراء هذه الخطوة بحسب كومورجو، الذي يعتقد أن "أردوغان في حال خسارته للانتخابات سيحاول تشكيل كتلة نيابية قوية تحت قبة البرلمان، والاستمرار في العمل السياسي من خلالها، ووجود مثل هذه الأسماء تمنحه هذه الميزة" وتصعّب من عمل المعارضة داخل البرلمان في حال وصولها إلى السلطة.
تحالف انتخابي بلوائح منفصلة
على خلاف جوهر التحالف الانتخابي القائم على توحيد اللوائح الانتخابية كما في حال "تحالف الأمة" و"تحالف العمل والحرية" المعارضين، فإن العديد من الأحزاب المنضوية تخت مظلّة "تحالف الشعب"، والذي يضم إلى جانب العدالة والتنمية الحاكم أحزاب "الحركة القومية" اليميني المتطرف، و"الرفاه الجديد" الإسلامي، و"الدعوة الحرة" (المعروض باختصار هدى بار) الإسلامي الكردي، و"الاتحاد الكبير" و"اليسار الديموقراطي"، تشارك في الانتخابات النيابية بلوائح منفصلة، كما هو الحال بالنسبة للحركة القومية والاتحاد الكبير والرفاه الجديد.
ورشّح حزب "الحركة القومية" 43 نائباً من أصل 48 حاليين لخوض الانتخابات النيابية مجدداً، فيما تم تضمين 4 مرشحين من الحزب الإسلامي الكردي و3 من اليسار الديموقراطي في لوائح العدالة والتنمية.
ويرجّح كومورجو أن يكون خوض الانتخابات بلوائح منفصلة قراراً اتخذته الحركة القومية بخلاف رغبة العدالة والتنمية، معتقداً أن هذا القرار سيفقد "تحالف الشعب" ما يقرب من 15 إلى 20 نائباً نتيجة انزياح بعض الأصوات الداعمة للعدالة والتنمية باتجاه الحركة القومية، حسب رأيه.
ويشرح كومورجو دوافع القرار قائلاً: "القرار تكتيك من قبل الحركة القومية (اليميني المتطرف) ردّاً على دعم حزب الدعوة الحرّة (الكردي) لتحالف الشعب، والذي أدّى إلى ظهور مشاكل في الهوية البنيوية للحركة القومية. عدم خوض الحزب للانتخابات بهويّته يهدد استمراره بشكل جدّي".
ملاحظات أخرى
تم إدراج العديد من الصحافيين في قوائم حزب العدالة والتنمية النيابية، أشهرهم خلقي جفيز أوغلو، وشبنام بورصلي، وحليمة كوكجي، كما تم ترشيح توغرول توركيش، نجل مؤسس حزب الحركة القومية، قلب أرسلان توركش، نائباً للعدالة والتنمية عن أنقرة، وعلى رأس القائمة.
لم ينجح المطرب المشهور ابراهيم تاتليسس من حجز مكان له في قائمة المرشّحين للمرة الخامسة على التوالي، على خلاف زميلته المطربة سيدا سايان، التي ترشّحت عن أزمير.
كما فشل والي "لواء اسكندورن" (هاتاي) رحمي دوغان، الذي استقال من منصبه من أجل الترشّح عن حزب العدالة والتنمية، في الدخول ضمن قوائم المرشحين.
وسرت أنباء عن ترشيح العدالة والتنمية للاعب الألماني من أصل تركي مسعود أوزيل للانتخابات النيابية، ليتبيّن لاحقاً عدم صحة الادّعاء المذكور.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/19/2026 8:10:00 PM
إيرادات "سوبر ماريو غالاكسي" تقترب من 750 مليون دولار عالمياً.
الولايات المتحدة
4/20/2026 5:36:00 AM
تُعَدّ هذه الجريمة المروّعة من أكثر عمليات إطلاق النار الجماعي دموية في الولايات المتحدة منذ أكثر من عامين!
أسرار الآلهة
4/20/2026 5:58:00 AM
أسرار الآلهة
نبض