العلاقات التركية - الاسرائيلية: بين طموحات أردوغان وهواجس النووي الإيراني
منذ بداية العام 2022، برز تطوّر لافت في ملف العلاقات بين تركيا وإسرائيل من حيث تبادل رسائل ودية أوحت بوجود تحرّك جدّي لفتح صفحة جديدة بينهما بعد سنوات من التوتر والخلافات. تلى ذلك إجراءت ملموسة حيث أفرج الأتراك عن الزوجين الإسرائيليين المحتجزين في اسطنبول منذ نهاية العام الماضي، وفي المقابل زار الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أنقرة واستُقبل بحفاوة.

في الآونة الأخيرة، تسارعت الخطوات العمليّة لاستكمال مسار التقارب وتطبيع العلاقات بين البلدين، فبعد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد في آب (أغسطس) الماضي أنّ حكومته ستستأنف العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع تركيا، برزت اليوم معلومات جديدة عن إمكانية عقد لقاء قمّة قريب بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ولابيد.
وفي هذا الإطار أفادت هيئة البث الإسرائيلية (كان) بأنّ محادثات تجرى على قدم وساق بين إسرائيل وتركيا لترتيب هذا اللقاء في غضون أسبوعين، وذلك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وإذا عُقد هذا الاجتماع، فستكون هذه المرة الأولى التي يلتقي فيها أردوغان برئيس وزراء إسرائيلي منذ أن استقبل إيهود أولمرت في أنقرة عام 2008.
وفي حين لم يصدر أي تأكيد أو نفي رسمي من كلا البلدين بشأن اللقاء المتوقع، فإن موقع "واللاه" العبري اعتبر أنّ هكذا حدث سيكون "الخطوة التالية في تطبيع العلاقات بين الدولتين" بعد إعلان عودة العلاقات الدبلوماسية بينهما إلى أعلى مستوى.
محاولات عقيمة
ومنذ أحداث "مافي مرمرة" عام 2010، خاضت تركيا وإسرائيل محاولات عقيمة لإعادة علاقاتهما إلى نصابها، ففي العام 2013 كانت المحاولة الأولى إلا انها اصطدمت بحائط مسدود نتيجة اشتعال جبهة غزة عام 2014. وفي العام التالي عاد الطرفان لمحاولة تحسين العلاقات، وعيّنت إسرائيل سفيراً لها في أنقرة، في حين عزفت تركيا عن تعيين سفير بالمقابل "حتى ترى تحسناً" من إسرائيل حيال الشعب الفلسطيني.

لم تطل المحاولة، حيث طردت أنقرة السفير الإسرائيلي عام 2018 احتجاجاً على الاستخدام غير المتناسب للقوة من قبل إسرائيل في احتجاجات غزة، عقب حفل افتتاح السفارة الأميركية في القدس. كما طردت تل أبيب القنصل التركي.
ما الذي تبدّل؟
لكن كما هو واضح اليوم، فإنّ القرار التركي - الاسرائيلي بتطبيع العلاقات وتحسينها لا رجعة فيه، وهو مرتبط بعدد من العوامل الداخلية والخارجية.
وفي هذا السياق يلفت الخبير في الشؤون التركية محمد نور الدين في حديث إلى "النهار العربي" إلى أنّ هذا التطوّر في العلاقات بين أنقرة وتل أبيب "تزامن مع الانفتاح التركي على تطبيع العلاقات مع مصر في ربيع العام 2021، ومن ثم مع الإمارات والسعودية، وأخيراً سوريا".
يرى نور الدين أنّ هناك عاملين أساسيين يتحكمان بسياسة الانفتاح التركية الجديدة، الأوّل هو أنّ أنقرة وجدت نفسها خلال العامين الماضيين "قد وصلت إلى ذروة عزلتها" عن محيطها الاقليمي البري والبحري، ما عدا دولة قطر، حيث جرى مثلاً تأسيس منتدى غاز شرق المتوسط مطلع العام 2019 بهدف استخراج وتصدير الغاز إلى أوروبا، لكنّ "تركيا استثنيت" من عضويته.

ويعرب نور الدين عن اعتقاده بأنّ هذا الوضع "بدأ يضغط على تركيا من نواح كثيرة وفي مقدمها الوضع الاقتصادي، وبالتالي حاولت أن تُطبّع العلاقات من أجل الخروج من مأزقها".
العامل الآخر هو "الانتخابات الرئاسية المرتقبة في تركيا" والتي من المقرر اجراؤها في حزيران (يونيو) المقبل، وكما كان العامل الاقتصادي والنجاحات التي حققها أردوغان عاملاً أساسياً لنجاحه وحزبه (العدالة والتنمية) سابقاً في الانتخابات البلدية والنيابية والرئاسية، فإنّ تردي الأوضاع الاقتصادية في بلاده بات يشكّل خطراً على حظوظه بالفوز في معركة الرئاسة، حيث لُمس تراجع غير مسبوق في نسبة مؤيديه وفق استطلاعات الرأي في ظلّ استياء المواطنين من سياسات الحكومة وتدهور الحالة المعيشية.
لذا، وبحسب نور الدين، ارتأى أردوغان أنّه إن طبع علاقاته مع هذه الدول، وهي مقتدرة بمعظمها، فإنّ ذلك سيلعب دوراً في تحسين الوضع الاقتصادي في تركيا وتخفيف الضغوط عنها، أي أنّ "جلّ ما فعله هو من أجل المال، الذي يحسّن الاقتصاد، وبالتالي ترتفع حظوظه في الفوز بالانتخابات" الرئاسية.

أما بخصوص إسرائيل حصراً، فـ"لأنها بوابة تركيا إلى الولايات المتحدة" التي تمارس عليها ضغوطاً مكثفة في ظل فترة حكم جو بايدن، الذي لا يستسيغ مطلقاً وجود أردوغان في السلطة وقد توعّد بالاطاحة به خلال حملته للوصول إلى البيت الأبيض.
الهاجس الإيراني
ويمكن القول كذلك على الصعيد الخارجي إنّ انشغال إدارة بايدن بالحرب الاقتصادية مع الصين، والعسكرية مع روسيا في أوكرانيا لاحقاً، قد ولّد انطباعاً بأنّ الولايات المتحدة قد صرفت اهتمامها عن الشرق الأوسط في هذه المرحلة، وهذا ما دفع تركيا ودولاً أخرى في المنطقة إلى تحسين علاقاتها مع جيرانها، خاصة في ظل صعود إيران نوويّاً وما يرافقه من مخاوف لدى دول المنطقة من امكانية امتلاكها سلاحاً نووياً يمنحها تفوّقاً استراتيجياً، في الوقت الذي تبدي واشنطن والدول الأوروبية تساهلاً مع طهران ورغبة بتوقيع اتفاق نووي لا يراعي مصالح حلفائها في الشرق الأوسط رغم أنّ تخصيب اليورانيوم في الجمهورية الاسلامية قد وصل إلى مستويات قياسية أكثر من 19 ضعفاً للحد المنصوص عليه في خطة العمل الشاملة المشتركة.
وبذلك، يُعد احتمال امتلاك إيران سلاحاً نوويّاً عاملاً أساسياً يدفع دول المنطقة إلى التعاون الأمني، وتركيا معنية بشكل مباشر، كون أنّ طهران تعمل بشكل دؤوب على مضاعفة نفوذها في سوريا من خلال وجودها العسكري هناك بعد الحرب التي انهكت البلاد منذ العام 2011.
بجميع الأحوال، يؤكّد نور الدين أنّ سياسة الانفتاح التركية هذه لم تحقّق أي نجاح ملموس في أهدافها المرسومة حتى الآن، فلا الاقتصاد تحسّن ولا آمال اردوغان بالحفاظ على كرسي الرئاسة ارتفعت، ولا يزال الأتراك غاضبين، والأميركيون على موقفهم. لكن لا يزال هناك بعض الوقت قبل الاستحقاق الفاصل.
نبض