27-03-2024 | 00:30

هستيريا ناكامورا تعكس هواجس فرنسا البيضاء

تستضيف فرنسا في غضون أربعة أشهر دورة الألعاب الأولمبية في باريس. ولكن البلاد الممزقة بين التقاليد والحداثة، تمر بأزمة هوية... فأي فرنسا ستشارك في الاولمبياد؟
هستيريا ناكامورا تعكس هواجس فرنسا البيضاء
Smaller Bigger
تستضيف باريس هذا الصيف دورة الألعاب الأولمبية الصيفية، وتوقّع المنظمون  أن يصل عدد الحضور في الافتتاح  إلى مليونَي شخص، ولكن في بلاد منقسمة بين التقاليد والحداثة، تحول طرح اسم المغنية آيا ناكامورا في الاحتفال سجالا حول اللغة والهوية والعرق، وأغضب اليمين المتطرف. 
 
بدأ كل شيء بنبأ نشرته مجلة "لكسبريس" في 29 شباط (فبراير)  مفاده أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعاها إلى الإليزيه لطرح فكرة غنائها في افتتاح الأولمبياد.
 
لم يؤكد أي من المعنيين هذه المعلومات ولكن الشابة  صارت مذذاك هدفاً لصيحات الاستهجان   في اجتماع لحزب السياسي الفرنسي الشعبوي إريك زيمور والتنمر على مواقع التواصل  الاجتماعي من مجموعة صغيرة يمينية متطرفة,
 
وناكامورا نجمة فرنسية تنتشر أغانيها على نطاق واسع خارج فرنسا. ووفقًا للاتحاد الوطني للنشر الفونوغرافي، فقد باعت أكثر من 500 ألف أسطوانة في الخارج، ولديها أكثر من 6 مليارات بث على المنصات. بالإضافة إلى ذلك، فهي الوجه الإعلاني لعلامة لانكوم التجارية,
 
وبناء عليه، تتساءل الكاتبة ستيفاني بينيه في صحيفة "لوموند" الفرننسية: "من سيكون أكثر شرعية منها لتمثيل فرنسا في ألعاب باريس؟".
 

"لا تمثل فرنسا"
يقول المنتقدون اليمينيون إن كلمات أغنيات ناكامورا  بعيدة من اللغة الفرنسية الأكاديمية، وأن موسيقاها لا تمثل فرنسا.
 
وما زاد حدة الاحتجاج هو الخلاف حول الملصق الرسمي الذي تم الكشف عنه هذا الشهر، وهو عبارة عن صورة لمدينة تعج بالناس، وقد هاجم النقاد اليمينيون الصورة باعتبارها تمييعًا متعمدًا للأمة الفرنسية وتاريخها. وقد تجلى ذلك في إزالة الصليب الذي يعلو القبة الذهبية للأنفاليد، المستشفى العسكري السابق حيث دفن نابليون. وعلقت صحيفة "جورنال دو ديمانش" اليمينية على الصورة قائلة أن "علة الأمة التي تعيش مخاض التفكك" واضحة للعيان.
 
 
 

تُعد ناكامورا من أشهر المغنيات الفرنسيات في الداخل والخارج، وحصلت على 25 أغنية من أفضل 10 أغنيات منفردة في فرنسا (25top 10 singles in France) وأكثر من 20 مليون متابع على وسائل التواصل الاجتماعي.

وُلدت آيا دانيوكو في باماكو بمالي، وأخذت اسمها الفني من شخصية في مسلسل الخيال العلمي "Heroes"  الذي يُعرض على قناة "ان بي سي". ترعرعت في إحدى ضواحي باريس، وهي تمزج كلمات الأغاني الفرنسية مع العربية والإنكليزية ولهجات غرب إفريقيا مثل البامبارا، وهي لغة والديها المالية، في أغانٍ تتداخل فيها موسيقى "الآر أند بي" والزوك وإيقاعات الأفروبوب.
 
 
وفي حديث لإذاعة "فرنس إنتر"،  قالت الزعيمة اليمنية المتطرفة مارين لوبن عن اختيار ناكامورا المحتمل للأولمبياد: "هذا ليس رمزاً جميلًا، إنه استفزاز جديد من إيمانويل ماكرون، الذي يجب أن يستيقظ كل صباح متسائلًا كيف يمكنه إذلال الشعب الفرنسي". وأصرّت على أن ناكامورا تغني بلغة "من يعرف ماذا"، وأنها غير مؤهلة لتمثيل البلاد.
 
 
ولم تعلق ناكامورا على هذه الضجة علنًا باستثناء كتابة بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. وعلى موقع "اكس"، ردّت على الهجمات بقولها: "يمكنك أن تكون عنصريًا، ولكن ليس أصمًا". 
 
وتحمل المغنية الجنسية الفرنسية والمالية وتعيش في بلد غالبًا ما يبدي أبناؤه امتعاضه من التغير  الديموغرافي فيه (أكثر تنوعًا، وأقل بيضًا، وأكثر تشكيكًا في النموذج الفرنسي للاندماج في الهوية ).

"خوف على الهوية"
وتنقل صحيفة "نيويورك تايمز" عن  روخايا ديالو، وهي مؤلفة ومخرجة أفلام وناشطة فرنسية: "هناك ذعر على الهوية، أعتقد أن فرنسا لا تريد أن ترى نفسها على حقيقتها". 
 
وأشارت ديالو، مستشهدة بنجم كرة القدم كيليان مبابي وناكامورا، إلى أن "فرنسا البيضاء تشعر بأنها مهددة بطريقة لم تكن كذلك قبل 30 عامًا".
 
وأضافت أن ناكامورا تخضع لمعايير غير عادلة بسبب خلفيتها. وقالت: "سوف يُنظر إلى إبداعها اللغوي على أنه عدم كفاءة وليس موهبة فنية"، لأن التركيز فقط على كلمات أغاني الفنانة تجاهل الإبداع الموسيقي المبتكر لأغانيها.
 
ترعرعت ناكامورا، وهي الكبرى بين خمسة أشقاء، وأم عزباء لطفلين، في عائلة من الغريوت أو الموسيقيين ورواة القصص التقليديين في غرب أفريقيا. وقالت لصحيفة "لوموند" في عام 2017: "الجميع يغني في عائلتي لكنني الوحيدة التي تجرأت على الغناء الحقيقي".
 

حالة انقسام في فرنسا
وتعكس الهستيريا التي أثارها أداءها المحتمل في الأولمبياد حالة الانقسام التي تعيشها فرنسا. ويرى البعض أن الدولة الرجعية عازمة على تجاهل تأثير الهجرة الواسعة النطاق، وخاصة من شمال أفريقيا، على البلاد التي تستضيف دورة الألعاب الأولمبية الصيفية الثالثة والثلاثين في العصر الحديث. ويدعم المشاهير والسياسيون اليساريون والمسؤولون الحكوميون فكرة أداء  ناكامورا بدور بارز في الحفل.
 
وفي المقابل، يرى آخرون، خاصةً من اليمين، أن فرنسا متعددة الثقافات عازمة على إخفاء جذورها المسيحية، بل حتى الأمة نفسها، خاصةً مع محو الصليب من قبة الأنفاليد وغياب علم فرنسي واحد في الملصق الرسمي وتفضيل اللون الوردي الفاتح والأرجواني والأخضر على اللون الأزرق الجريء والأبيض والأحمر لفرنسا.
 
وصرحت ماريون ماريشال، ابنة أخت لوبن وزعيمة حزب "ريكونكيت" اليميني المتطرف، للتلفزيون الفرنسي الأسبوع الماضي: "في كل مرة يشاهدنا فيها العالم نعطي انطباعًا بأننا لا نعتنق ما نحن عليه".

خلال الاجتماع مع ماكرون، الذي كشفت عنه لأ مجلة "اكسبريس"، سأل الرئيس ناكامورا عن المغنية الفرنسية التي تحبها. وكان ردها هو إديث بياف، الفنانة الأسطورية التي توفيت في عام 1963.
 
لذا، اقترح ماكرون عليها غناء أغنية لبياف لافتتاح الألعاب الأولمبية. ولا تزال الفكرة قيد المراجعة.
 
بالنسبة للبعض، قد يكون أداء ناكامورا التكريم المثالي لأغنية "لا في إن روز" (la vie en rose)، نشيد بياف الخالد للحب الرومانسي الباريسي. 
 
وقال برونو لو مير، وزير الاقتصاد ومؤلف روايات مثيرة، إن ذلك سيظهر "البراعة" و"الجرأة". وقد أشار المؤيدون إلى أن المغنيتين نشأتا في فقر وتنحدران من أصول مهاجرة.
 
لكن استطلاعاً للرأي أجري مؤخرًا وجد أن %63 من الفرنسيين لا يوافقون على فكرة ماكرون، على الرغم من أن حوالي نصف المستجيبين قالوا إنهم يعرفون ناكامورا بالاسم فقط.
 
وقد واجهت ناكامورا انتقادات لموسيقاها من قبل في فرنسا. ويشكو البعض من اليمين من أنها أصبحت فرنسية لكنها أبدت اهتمامًا أكبر بجذورها الأفريقية أو يشخصيات أميركية.
 
وقد ردت على منتقديها على التلفزيون الفرنسي في عام 2019: "في النهاية، الموسيقى التي اغنيها تخاطب الجميع".
 
ويبدو أنه من غير المرجح أن تهدأ ضجة الأولمبياد قريبًا. وكما قال أحد المعلقين في إذاعة "فرانس إنتر": "فرنسا ليس لديها نفط، ولكن لدينا نقاشات. في الواقع، نحن نستحق تقريباً ميدالية ذهبية على ذلك".


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية