04-03-2024 | 10:55

بعد كلامه عن أوكرانيا... معضلتان أمام ماكرون وأوروبّا

لا تزال أصداء كلام ماكرون عن احتمال إرسال قوّات إلى أوكرانيا تتفاعل
بعد كلامه عن أوكرانيا... معضلتان أمام ماكرون وأوروبّا
Smaller Bigger

ما قيل في باريس يوم الاثنين الماضي لن يبقى في باريس. حرّك الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون المياه الجيوسياسيّة الراكدة في بروكسل مفاجئاً القادة الأوروبّيّين. والموجات الارتداديّة وصلت إلى الضفّة الأخرى من المحيط الأطلسيّ. كان من المفترض أن تكون قمّة باريس لدعم أوكرانيا مناسبة لتكرار السرديّة نفسها: تجنيب أوكرانيا الهزيمة، وزيادة الإنتاج الدفاعيّ الأوروبّيّ. الإعلان عن اتّفاقات عسكريّة ثنائيّة مع كييف إضافة حميدة. لكن آخر ما توقّعه الأوروبّيّون التلميح الضمنيّ إلى إمكانيّة نشر قوّات غربيّة في أوكرانيا.

 

أكّد الجميع تقريباً أنّ هذه الخطوة غير مطروحة. من الولايات المتحدة إلى بولندا، مروراً بالدول الواقعة بينهما، كان الرفض واضحاً. لكنّه لم يكن أوضح من الرفض الصادر عن برلين. تحدّث المستشار الألمانيّ أولاف شولتس عن موقف حاسم لبلاده الثلاثاء: "لن تكون هناك قوّات برّيّة، لا جنود على التراب الأوكرانيّ مرسلون من بلدان أوروبّيّة أو دول من الناتو".

 

ثلاثة أسباب

الرفض لافت للأنظار لثلاثة أسباب بالحدّ الأدنى: الأوّل أنّ شولتس تحدّث حتى باسم الأوروبّيّين ولم يكتفِ بالحديث عن الألمان. الثاني أنّ ماكرون لم يتحدّث بشكل قاطع عن إرسال هكذا قوّات إلى أوكرانيا. هو قال ردّاً على سؤال صحافيّ: "ينبغي عدم استبعاد أيّ شيء". وقف الألمان حتى ضدّ "الغموض الاستراتيجيّ" الذي يمكن أن يلفّ الموقف الأوروبّيّ ببعض الضبابيّة من أجل تعقيد الحسابات الروسيّة. أصبح الأوروبّيّون مقروئين تماماً، وحان وقت التغيير أو الاستعداد له، كما يُفهم من تصريح ماكرون.

 

لكن لا ألمانيا في وارد القبول بهذا التلميح ولا حتى الولايات المتحدة. دخلت الدولتان مرحلة رضا عن النفس بمجرّد أنّهما لم تصطدما بروسيا. في تراتبيّة الأهداف، يبدو أنّ الأولويّة، لدى القسم الأكبر من الغرب، هي تجنّب الصدام. حتى "الانتصار" الأوكرانيّ هو من المحرّمات اللغويّة في قاموس برلين وبروكسل وواشنطن. كسر ماكرون هذا المحظور أيضاً، عندما تحدّث للمرّة الأولى، عن ضرورة إلحاق "الهزيمة" بروسيا كشرط أساسيّ لترسيخ الأمن الأوروبّيّ.

 
 
 

(المستشار الألماني أولاف شولتس - اب)

 

السبب الثالث الذي يفسّر جزئيّاً دهشة الغرب من ماكرون هو سياساته السابقة. من عقد اجتماعات حول "الطاولة الغريبة" مع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين إلى الإصرار على "عدم إهانة" روسيا خلال الحرب، بدت انعطافة ماكرون الأخيرة عنيفة حتى بالنسبة إلى رئيس متّهم بأنّه يحبّ جذب الأضواء. وحين سخر ماكرون من التردّد الأوروبّيّ حيال مدّ أوكرانيا بالأسلحة الطويلة المدى قبل القبول بذلك لاحقاً، كانت فرنسا جزءاً من هذا التردّد على ما يلاحظه رودجر كوهين في "نيويورك تايمز". من هنا، يمكن فهم الاستياء المرصود في برلين.

 

نيران صديقة

توضح مجلّة "إيكونوميست" أنّ الخلاف كان أيضاً بشأن اقتراح ماكرون على بناء تحالف "صواريخ" في تحفيز لألمانيا على إرسال صواريخ "تاوروس" إلى أوكرانيا. لكنّ إرسال هذه الصواريخ قد يستدعي نشر قوّات ألمانيّة في البلاد ممّا يربط الجنود الألمان بأيّ أهداف تصيبها تلك الصواريخ، مع ما يعنيه ذلك من مشاكل داخليّة كبيرة في برلين. أتى تحليل المجلّة البريطانيّة تحت عنوان فرعيّ معبّر: "نيران صديقة".

 

في سياق تأكيد شولتس أنّ ألمانيا لا تريد إرسال صواريخ طويلة المدى إلى أوكرانيا، قال إنّ بلاده لا تستطيع نقل هذه الصواريخ إلى الجنود الأوكرانيّين، كما يفعل حلفاء آخرون: "ما يتمّ القيام به على طريق التحكّم بالهدف ومرافقة التحكّم بالهدف من جانب البريطانيّين والفرنسيّين لا يمكن فعله في ألمانيا". بمعنى آخر، اقترح شولتس أنّ باريس ولندن انخرطتا بشكل مباشر في قصف أهداف روسيّة داخل أوكرانيا. يدرك الجميع أنّ ثمّة قوّات غربيّة استشاريّة في كييف، لكنّ المسؤولين الغربيّين فضّلوا عدم التحدّث عن ذلك علناً. ربّما ردّ شولتس بطريقة ضمنيّة على "إحراج" ماكرون لبرلين بإحراج من نوع آخر لباريس. أغضب ذلك بريطانيا، إذ وصفت رئيسة لجنة الشؤون الخارجيّة في البرلمان البريطانيّ أليسيا كيرنز كلام شولتس بأنّه "خاطئ وغير مسؤول وصفعة على وجه الحلفاء". وكان لنوربرت روتغن من "الاتحاد الديموقراطيّ المسيحيّ" في ألمانيا توصيف مشابه.

 
 
 

(الرئيسان الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والفرنسي إيمانويل ماكرون - أب)

 

في الواقع، ذهب ماكرون بعيداً في انتقاده الضمنيّ لبرلين حين قال الاثنين الماضي: "أذكّركم بأنّه منذ عامين، قال العديد ممّن هم موجودون حول هذه الطاولة: ‘سنقدّم بطّانيات نوم وخوذاً". كان شولتس سريعاً في رفض نقل الصواريخ إلى أوكرانيا فأعلن عن ذلك حتى قبل انتهاء القمّة. في قضيّة إرسال الجنود إلى أوكرانيا، أسقط شولتس الفكرة يوم الثلاثاء.

 

ورأى آخرون أنّ كلام ماكرون أطلق ردّ فعل عكسيّاً. قالت جانا بوغليرين من "المجلس الأوروبّيّ للعلاقات الخارجيّة" إنّ الرئيس الفرنسيّ أظهر أنّ فرنسا وألمانيا مختلفتان إلى أقصى حدّ في هذه الزاوية، مضيفة: "هذه ليست طريقة للترويج للوحدة الأوروبّيّة".

 

حسابات قديمة

يضغط ماكرون على الأوروبّيّين كي يبدأوا صناعة مستقبل مستقلّ عن الولايات المتّحدة. ربّما لا تزال برلين تميل إلى الرهان على فوز الرئيس جو بايدن بولاية ثانية. في الأساس، يملك الألمان نظرة ارتياب تجاه الفرنسيّين وتحديداً تجاه ماكرون: هو يريد الحلول مكان قيادة الولايات المتّحدة في ضمان الأمن الأوروبّيّ. مشكلة هذا الارتياب أنّ فرنسا كانت محقّة في كثير من الأوقات بشأن عدم إمكانيّة الاعتماد على الحماية الأميركيّة. على سبيل المثال، كانت باريس أوّل متلقّي إشارات الانسحاب الأميركيّ الفوضويّ من أفغانستان، في وقت كان معظم الأوروبّيّين غافلين عمّا كان يجري.

 

على الرغم من ذلك، لا يعفي كلام ماكرون فرنسا من المسؤوليّة المترتّبة على "الغموض الاستراتيجيّ" أو حتى من ضرورة اتّباع نهج جديد حيال الحرب. يعتبر بعض الأوروبّيّين وفي طليعتهم الألمان أنّ ماكرون رئيس يتحدّث بصلابة من دون خطوات جريئة على الأرض. في الواقع، هو "يغطّي" على الدعم الفرنسيّ المتواضع لأوكرانيا بالمقارنة مع الدعم الألمانيّ عبر مقترح إرسال القوّات بحسب رأي برلين. قال نائب المستشار الألمانيّ عن حزب الخضر روبرت هابيك: "أنا مسرور لأنّ فرنسا تفكّر في كيفيّة زيادة دعمها لأوكرانيا، لكن إن أمكنني أن أتقدّم بنصيحة – قدّموا المزيد من الدعم". بحسب معهد "كييل" الألمانيّ تحتلّ فرنسا المرتبة 14 على صعيد مجموع الدعم المقدّم وتردّ فرنسا بأنّ المعهد يقيس التعهّدات لا المساعدات الفعليّة كما يتجاهل الدعم الفرنسيّ عبر "صندوق السلام الأوروبّيّ". وهناك أيضاً الخلاف الألمانيّ-الفرنسيّ حول كيفيّة إعادة تمويل هذا الصندوق.

 

ماذا بعد قمّة باريس؟

بات على الرئيس الفرنسيّ أن يقرن القول بالفعل مخافة من أن يؤكّد المخاوف السابقة. في نهاية المطاف، سيفقد الكلام العالي السقف تأثيره إذا تكرّر كثيراً من دون أن يجد طريقاً نحو التنفيذ. لكنّ ماكرون لا يستطيع تحويل أفكاره إلى سياسة تطبيقيّة إذا ظلّ معزولاً على المستوى الغربيّ.

 

في البداية، كانت الأصوات الداعمة للموقف الفرنسيّ قليلة وخجولة. أهمّ تصريح في هذا السياق قد يكون لوزير الخارجيّة الليتوانيّ غابريليوس لاندسبرغيس الذي رحّب بكلام ماكرون واصفاً إيّاه بأنّه "تفكير خارج الصندوق". كما أعرب وزير الدفاع الكنديّ بيل بلير عن استعداد بلاده إرسال قوّات محدودة في "دور واضح غير قتاليّ" لتدريب القوّات الأوكرانيّة. لكنّ موقفاً لافتاً آخر صدر عن كبير مستشاري وزارة الدفاع الهولّنديّة الجنرال أونو أيخلشيم الذي قال إنّ بلاده لن تستبعد إرسال قوّات غربيّة إلى أوكرانيا بالرغم من أنّ الظرف الحاليّ "غير مناسب". وأضاف: "أعتقد أنّه يجب إبقاء كلّ الخيارات مفتوحة لرؤية كيف يمكنك دعم أوكرانيا بالشكل الأفضل". حاليّاً، يعدّ رئيس الوزراء الهولّنديّ مارك روته المرشّح الأوفر حظّاً لخلافة ينس ستولتنبرغ في مركز الأمانة العامّة لحلف شمال الأطلسيّ (ناتو) الصيف المقبل، وبالتالي يُرجَّح أن يكون الموقف الهولّنديّ مؤشّراً مهمّاً في هذا السياق.

 
 
 
(وزير الخارجية الليتواني غبرياليوس لاندسبرغيس - أب)
 

على مستوى معيّن، قد تجد فكرة ماكرون انتشاراً بطيئاً بين بعض الحلفاء. ستستغرق عمليّة بناء الثقة بعض الوقت بما أنّ ماضي ماكرون القريب مع روسيا لم يكن مشجّعاً بالنسبة إلى دول أوروبا الشرقيّة بالتحديد. في جميع الأحوال، تبقى المبادرة بيد ماكرون، وبالتالي ينتظر المتردّدون إشارات إضافيّة صادرة عن باريس كي يتجرّأوا على دعم فكرة الرئيس الفرنسيّ. غير أنّ الأخير غير قادر على إغضاب ألمانيا أيضاً لأنّ حيويّة المشروع الأوروبّي تقوم إلى حدّ كبير على المحرّك الألمانيّ-الفرنسيّ. كما أنّ الوضع الداخليّ الفرنسيّ لا يمنح الرئيس حرّيّة حركة غير مقيّدة في السياسة الخارجيّة بعدما واجهت فكرته انتقادات من معظم أحزاب الطيف الفرنسيّ، بما فيها تلك الوسطيّة.

 

وهكذا، لا تستطيع أوروبا الوثوق بماكرون بالرغم من أنّه كان محقّاً في نظرته إلى صدقيّة الولايات المتحدة، ولا يستطيع ماكرون التراجع عن فكرته كي لا يزعزع صدقيّته أكثر بين الدول الأوروبّيّة. لكنّ حالة الجمود السياسيّ في أوروبا غير قابلة للاستدامة مع انكسار حالة الجمود الميدانيّ في أوكرانيا.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
لبنان 4/15/2026 6:55:00 PM
 تمّ إخلاء الفندق من النزلاء كإجراء احترازي...
مجتمع 4/15/2026 12:28:00 PM
"أقدمت على قتل طفلَيها خنقاً بواسطة وسادة أثناء تواجدهما على سريرها داخل منزلها في محلة صحراء الشويفات"