28-02-2024 | 06:20

ما القيمة المضافة التي كسبها النّاتو من انضمام السّويد إليه؟

للسويد صناعة عسكريّة متقدّمة. لكنّ موقعها الجغرافيّ قد يثير قلقاً أكبر لدى الروس.
ما القيمة المضافة التي كسبها النّاتو من انضمام السّويد إليه؟
Smaller Bigger

29 آذار (مارس) 2013. الصعقة الأكثر حدّة منذ الحرب الباردة. قاذفتان نوويّتان من طراز "توبوليف-22 أم3" ترافقهما أربع مقاتلات من طراز "سو-27" اقتربتا لمسافة تقلّ عن أربعين كيلومتراً من إحدى جزر السويد في بحر البلطيق. كان الهدف شنّ قصف وهميّ ضدّ المقرّ الرئيسيّ لوكالة استخبارات الإشارات السويديّة في مخبأ القيادة العسكريّة الرئيسيّ. بدت القوّات الجوّية السويديّة عاجزة. فالدفاعات السويديّة في تلك الجزيرة اختفت منذ فترة طويلة.

 

بعد أقلّ من عقد زمنيّ، بدا ذلك الحادث مقدّمة بسيطة لما ستفعله روسيا في شرق أوروبا. كانت الصعقة الكبرى بداية اجتياح روسيا لأوكرانيا في شباط (فبراير) 2022. أيقظ الغزو الواسع النطاق الأوروبيّين بطريقة فجّة على الواقع الجديد. سلامُ ما بعد نهاية الحرب الباردة انتهى. أدّى ذلك إلى تخلّي فنلندا عن حياد دام عقوداً، وتخلّي السويد عن وضع مماثل دام أكثر من 200 عام. أصبحت الأولى دولة أطلسيّة في نيسان (أبريل) 2023، وأزيلت آخر عقبة أمام الثانية كي تدخل الحلف يوم الاثنين الماضي.

 

"بحيرة أطلسيّة"

بالرغم من الأنباء الإيجابيّة التي تدفّقت على موسكو منذ أواخر 2023، أكان لجهة التقدّم الميدانيّ في أوكرانيا أم لجهة عرقلة الكونغرس مساعدات عسكريّة ضخمة لكييف، مثّلَ انضمام السويد إلى حلف شمال الأطلسيّ (ناتو) "ضربة" للكرملين. أتى ذلك بعد موافقة البرلمان المجريّ على عمليّة الانضمام أمس الاثنين عقب مماطلات كبيرة من بودابست، سبقتها أخرى من أنقرة. أكّد ذلك فكرة أنّ المقرّبين من موسكو داخل الناتو لا يستطيعون عرقلة المشاريع التي تضرّ بالمصالح الروسيّة لفترة طويلة.

 

في المحصّلة، بات بحر البلطيق يمثّل "بحيرة أطلسيّة" بحسب تعبير شائع بين الغربيّين، وهي النتيجة التي عاكست كلّياً ما تطلّعت إليه روسيا في حربها على أوكرانيا. بعد انضمام فنلندا إلى النادي الأطلسيّ السنة الماضية، ازدادت حدود الناتو مع روسيا نحو 1300 كيلومتر. وبعد استقبال الحلف للسويد كعضو كامل، اشتدّ الخناق حول نقاط القوّة الروسيّة في منطقة حرجة. الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ علّق على الحدث قائلاً إنّ عضوية السويد في الحلف "ستجعلنا جميعاً أقوى وأكثر أماناً".

 

سيستفيد "الناتو" بطبيعة الحال من القدرات التصنيعيّة العسكريّة الهائلة التي تتمتّع بها السويد. من مقاتلات "ياس 39 غريبن" التي تقارع نسخها الأحدث مقاتلات "إف-35" (وافقت على بيع أربع منها للمجر مقابل مصادقة الأخيرة على انضمامها إلى الناتو)، مروراً بالصواريخ المضادة للدبابات والأنظمة المدفعيّة والمركبات المدرّعة وصولاً إلى الغوّاصات والسفن البحريّة، نالت الصناعة العسكريّة السويديّة إعجاب كثر.

 
 
 
 

سنة 2022، بلغت الصادرات السويديّة العسكريّة نحو ملياري دولار. وستؤمّن "إريكسون" السويديّة، إلى جانب "نوكيا" الفنلنديّة، تجهيزات مرتبطة بالجيل الخامس من الاتّصالات للدول الأطلسيّة. لكن ما لا يقلّ أهميّة عن المزايا التصنيعيّة للسويد، تملك الأخيرة موقعاً جغرافياً جذب اهتمام الناتو قبل أن تفكّر استوكهولم حتى بالانضمام إليه.

 

"حاملة طائرات غير قابلة للغرق"

تطلّ الحدود الشرقيّة للسويد على بحر البلطيق، وتعدّ جزيرة غوتلاند ذات أهميّة كبيرة بالنسبة إلى الأمن في المنطقة، إذ وصفها البعض بأنّها "حاملة طائرات غير قابلة للغرق" بالنظر إلى موقعها ومساحتها. ومع جزيرتي بورنهولم الدنماركيّة وألاند الفنلنديّة، تصبح تلك الجزر بمثابة سلسلة من المراكز الأماميّة للناتو بالقرب من الحدود الشماليّة لروسيا، بالرغم من أنّ ألاند تتمتّع بحكم محلّيّ قد لا يرغب بالتخلّي عن كون الجزيرة منزوعة السلاح.

 

وضعت روسيا غوتلاند نصب عينيها منذ فترة طويلة، مدركة أهميّتها الأمنيّة. لقد كانت غوتلاند الجزيرة التي تعرّضت لمناورة قاذفتي التوبوليف سنة 2013. منذ سنة 2016، أعادت السويد نشر جنود في الجزيرة كما طوّرت بنيتها العسكريّة هناك على مدى أعوام. وسنة 2021، تدرّبت القوّات السويديّة مع قوّات من مشاة البحريّة الأميركيّة وحلفاء آخرين في الجزيرة نفسها، وتمّ نشر أنظمة دفاعيّة جويّة فيها. بهذا المعنى، لم تستيقظ السويد على الواقع الأمنيّ الجديد دفعة واحدة مع بداية الغزو الروسيّ، كما فعل بعض الأوروبيّين الغربيّين لكن متأخّرين. لقد دأبت منذ فترة طويلة على تعزيز تعاونها مع الأطلسيّين. ما حدث عندما تقدّمت بطلب الحصول على العضويّة كان نتيجة طبيعيّة لسنوات التعاون تلك.

 

تحييد "الفقّاعة الدفاعيّة"

قوّة الجزيرة أيضاً أنّها قادرة على تحجيم "الفقّاعة الدفاعيّة" التي تولّدها منطقة "كالينينغراد" الواقعة بين ليتوانيا وبولندا على بعد نحو 350 كيلومتراً والتي تحرم القوى المنافسة من إمكانيّة الوصول. لهذا السبب، قال القائد الأعلى الأسبق لقوّات الناتو بن هودجز سنة 2017 للسويديّين: "لا أعتقد أنّ هناك جزيرة في أيّ مكان أهمّ" من غوتلاند.

 

بإمكان "كالينينغراد" أن تمنع الإمدادات الأطلسيّة الآتية من الغرب باتّجاه دول البلطيق (إستونيا، لاتفيا، ليتوانيا) تاركة إيّاها شبه معزولة إذا تعرّضت لهجوم روسيّ. دخول السويد الحلف يعني أنّه سيتمكّن من نقل الإمدادات عبر أراضيها (من النروج أو الدنمارك) بدلاً من نقلها عبر بحر البلطيق، ما يقلّص الفارق الزمنيّ تقلصاً كبيراً ويبعدها عن نطاق الصواريخ الروسيّة في كالينينغراد.

 
 
 
 
(الخريطة السياسية لبحر البلطيق - nations online project)
 
 

سنة 1808، سيطرت روسيا لفترة وجيزة على الجزيرة. في أواسط العقد الماضي، حذّر وزير دفاع إستونيا الأسبق هاين ريباس من أنّ روسيا كانت في وارد إعادة السيطرة على غوتلاند، كما فعلت في جورجيا والقرم وأوكرانيا بعد الغزو الأوّل سنة 2014. في الواقع، وعلى الرغم من أنّ دول البلطيق انضمّت إلى الناتو سنة 2004، ساد هاجس طويل المدى لديها بشأن النيات الروسيّة، وبشكل أكبر من ضعف القدرات الأطلسيّة في الدفاع عنها بالسرعة الكافية. كتب الصحافيّ آدم ستارزينسكي أنّ انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو مثّل "نعمة" لدول البلطيق التي كانت تتخوّف من إمكانيّة عرقلة كالينينغراد بشكل شبه شامل للإمدادات الأطلسيّة. الآن، باتت جزيرة غوتلاند بمثابة القوّة المكافئة لكالينينغراد والعامل المقيّد لأسطول البلطيق الروسيّ.

 

في الوقت نفسه، لم يكن انضمام فنلندا وحدها إلى الناتو كافياً بالنسبة إلى الأمن الإقليميّ بحسب مراقبين سويديّين. فبلادهم كانت ستمثّل جداراً بين النروج وفنلندا لو بقيت خارج الحلف. لهذا السبب، كان متوقّعاً منذ البداية أن ينسّق البلدان خطواتهما للانضمام إلى الناتو، وقد تقدّم كلاهما بطلب الحصول على العضويّة في أيّار (مايو) 2022. وكسب الحلف أيضاً موطئ قدم إضافياً في الدائرة القطبيّة الشماليّة، بما أنّ السويد عضو في "مجلس القطب الشماليّ". وتحتاج الولايات المتّحدة للعمل مع حلفائها في تلك المنطقة بالنظر إلى وضعها غير المؤاتي بالمقارنة مع روسيا على مستوى التجهيزات العسكريّة والبنى التحتيّة بحسب محلّلين.

 

هل تهدأ المخاوف؟

تبدو مكاسب الناتو مضاعفة مع انضمام السويد إليه. وبما أنّ الطرفين أطلقا مسار التعاون الثنائيّ منذ فترة طويلة، سيكون الاندماج والتشغيل البينيّ سريعين نسبيّاً.

 
 

لكنّ الناتو لا يستطيع الوقوع في فخّ الاستكانة والرضا عن الذات. لا تزال موسكو تتمتّع بإمكانات كبيرة في المنطقة. يعتقد مراقبون أنّ أسلحة روسيا في المنطقة تفوق أسلحة الأطلسيّين، لذلك لا يزال هناك عمل يجب على دول الحلف القيام به. فقد نشر الروس صواريخ إسكندر ذات القدرات النوويّة في كالينينغراد، كما صواريخ "أس-400" إضافة إلى أسلحة هجوميّة ودفاعيّة مختلفة.

 

في الوقت الراهن، يبقى أنّ وصول السويد أخيراً إلى "النهاية السعيدة" مع الناتو قد يخفّف مخاوف الصدام إلى حدّ ما، بخاصّة مخاوف دول البلطيق. لكن مجدّداً، وسط التحذيرات الأوروبّيّة المتكرّرة في الآونة الأخيرة من نيّة روسيا اختبار الناتو بعد إعادة تشكيل قوّاتها، من الآمن القول إنّ القلق لن يتبدّد بشكل نهائيّ.

 

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 4/13/2026 12:00:00 PM
مصر تحت صدمة وفاة البلوغر بسنت سليمان بعد بث مباشر مأساوي من شرفة منزلها
لبنان 4/15/2026 6:55:00 PM
 تمّ إخلاء الفندق من النزلاء كإجراء احترازي...
مجتمع 4/15/2026 12:28:00 PM
"أقدمت على قتل طفلَيها خنقاً بواسطة وسادة أثناء تواجدهما على سريرها داخل منزلها في محلة صحراء الشويفات"