ينعقد مؤتمر ميونخ للأمن في دورته الستين لهذا العام على وقع الصراع المستمر بين روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى الأزمات المستجدة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. ويأمل القيمون على أعمال المؤتمر الذي سيستمر من 16 إلى 18 شباط (فبراير) الجاري، أن يوفر محاولة لرسم الخطوط العريضة للوضع الحالي للسياسة الأمنية العالمية، فضلاً عن قضايا الهجرة وتداعيات تغير المناخ، إلى دور الأمن والدفاع في أوروبا والرؤى الجديدة للنظام العالمي.
الجميع خاسر
وتحت عنوان "خسارة-خسارة"، أعلن يوم الإثنين تقرير ميونخ الأمني 2024، حيث تم التركيز على تزايد التوترات الجيوسياسية وعدم اليقين الاقتصادي، وبأن التركيز هذا العام سيكون على الصراعات الكبرى في العالم؛ إن كان في جهة الحرب الروسية أو في دول القرن الأفريقي، كما الجوع في الصومال والسودان، وغيرها. على أن تكون هناك نقاشات حول القانون الدولي الإنساني والإصلاحات في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وصولاً إلى أمور أخرى، ومن بينها التعريف الموسع للأمن والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والغذائي. ويشتمل البرنامج أيضاً على موضوعات كلاسيكية مثل مستقبل الناتو والدعم العسكري لأوكرانيا.
ويحفز التقرير النقاش حول عملية التوازن الصعبة التي يواجهها الشركاء عبر الأطلسي والدول ذات التفكير المشترك. وبالإضافة إلى التحليلات والمعلومات السياسية عن الصراعات، لفت التقرير إلى إمكانية أن يوفر المؤتمر مرة أخرى فرصة فريدة للمناقشات الاستراتيجية حول التحديات الأمنية الأكثر إلحاحاً في العالم، كاشفاً عن أن الهجرة وظاهرة تغير المناخ تشكلان أول وثاني تهديد للأمن العالمي، تليهما حرب روسيا ضد أوكرانيا التي أضحت تشكل أكبر تهديد للأمن، خاصة في بلدان مجموعة السبع.
إلى ذلك، حمل تقرير ميونخ 2024 بيانات مثيرة للاهتمام حول تصور المخاطر وتزايد حالة السخط تجاه الوضع الاقتصادي العالمي. وفي السياق، أشار مدير الأبحاث في المؤتمر توبياس بوندي، إلى أن حل الصراعات أصبح أمراً صعباً على نحو متزايد لأن القوى الكبرى لم تعد تتعاون مع بعضها البعض.. ومن أجل مواجهة الركود الجيوسياسي يجب توسيع التعاون الدولي حيثما أمكن ذلك.
وتابع بوندي بأنه لم يعد الحفاظ على الشراكات القديمة كافياً، بل يتعين علينا الآن العمل على كعكة أكبر لتعزيز الشراكات القديمة وبناء أخرى جديدة، مع الإشارة إلى أن الدول باتت تعطي أولويتها لتعزيز قدرتها على الصمود وتكثيف قدراتها الأمنية على حساب الكفاءة والجدارة.

استبعاد روسيا وإيران
وكما في عام 2023، استبعد رئيس المؤتمر، مستشار السياسة الخارجية والأمنية للمستشارة السابقة أنجيلا ميركل، الدبلوماسي كريستوف هويسغن، حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني الشعبوي من قائمة المشاركين، وينطبق الشيء نفسه على تحالف سارة فاغنكنشت المؤسس حديثاً بعد انشقاقهم عن حزب اليسار، ومبرراً ذلك بأن أعضاءه تم انتخابهم للبرلمان الاتحادي لتمثيل الأخير. كما لم يوجه الدعوة لاتحاد القيم الذي يقوده الرئيس السابق للمكتب الاتحادي لحماية الدستور هانز غيورغ ماسن لغياب التوجهات العامة لسياسته، ومفضلاً الانتظار أولاً، لا سيما أن أغلبية الأعضاء كانت منضوية ضمن حزب ميركل المسيحي الديموقراطي، ويتماهون حالياً ونسبياً مع اليمين الشعبوي.

وأوضح هويسغن مع وكالة الأنباء الألمانية قائلاً: "كما ذكرت في السابق أنني لا أريد أن أفرش السجاد الأحمر للأحزاب اليمينية المتطرفة، وأعتقد أن قراري في العام الماضي كان صائباً، خاصة بعد الكشف أخيراً عن سياسات "البديل"، في إشارة إلى اجتماع بوتسدام مع النازيين الجدد والتوجهات لطرد اللاجئين والأجانب.
وفي السياق عينه، لم تتم دعوة ممثلين عن السلطة السياسية في روسيا بسبب حربها على أوكرانيا وعدم رغبة بوتين بالتفاوض لإنهاء الحرب، لكن سيتم دعوة منظمات غير حكومية وسياسيين روس منفيين. وبخصوص إيران أشار هويسغن إلى أنه عندما يتعلق الأمر بطهران، نسمع من الحكومة الفدرالية في برلين ومن الأميركيين أنه ليس هناك اهتمام بالمحادثات، لكن وجهت دعوات لممثلي المنظمات غير الحكومية الإيرانية للمشاركة في المؤتمر.

هذا وسيشارك في أعمال المؤتمر الذي سينعقد في فندق بايريشرهوف في ولاية بافاريا، حوالي 50 من الزعماء ورؤساء الدول والحكومات، في مقدمتهم المستشار الألماني أولاف شولتس، إلى جانب عدد من وزراء حكومته، ونائبة الرئيس الأميركي كامالا هاريس، والأمين العام للأمم المتحدة أنتوني غوتيريش ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، والأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ، والتوقعات بأن يكون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من ضمن قائمة الحاضرين، فضلاً عن مشاركة رؤساء حكومات دول عربية، بينها قطر ولبنان والعراق والكويت وفلسطين، إضافة إلى أكثر من 100 وزير بأغلبيتهم وزراء دفاع وخارجية، إلى جانب العديد من الخبراء الأمنيين والسياسيين الرفيعي المستوى، إضافة إلى المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني... ومن بين 250 متحدثاً سيكون هناك 70 من جنوب الكرة الأرضية.
من جهة ثانية، سيتم اتخاذ تدابير أمنية مشددة من قبل الشرطة، وستغلق العديد من الطرق لتأمين الحماية للمؤتمرين، على أن تشهد المنطقة المحيطة أيضاً العديد من مسيرات الاحتجاج والتظاهرات خلال أيام المؤتمر، بينها مسيرات لمنظمات مدافعة عن المناخ والبيئة وحركات مؤيدة للسلام.
لقاء من أجل عالم سلمي
يعد مؤتمر ميونخ للأمن، والذي يتولى هويسغن رئاسته منذ عام 2022، أهم منتدى في العالم يناقش قضايا السياسة الأمنية، بمشاركة صناع القرار وقادة الرأي البارزين من جميع أنحاء العالم، إلى جانب خبراء في مجال الأبحاث وقطاع الأعمال، بالإضافة إلى منظمات غير حكومية للتداول في تحديات السياسات الخارجية والأمنية، كما المفهوم الشامل للبعد الاقتصادي والبيئي والإنساني للأزمات، فضلا عن أنه يشكل منصة للمبادرات الدبلوماسية والاجتماعات الخاصة لمناقشة المخاطر، كما يسهم في تقديم منصة للأفكار والأساليب والمبادرات الجديدة.
وعادة ما يرتبط بأعمال المؤتمر أكثر من 100 حدث جانبي وفعالية يتم تنظيمها بالتعاون مع منظمات غير حكومية، مثل منظمة الشفافية الدولية ومنظمة السلام الأخضر ومنظمة العفو الدولية، وذلك من أجل تعزيز الحوار وخلق الثقة والمساهمة في الحل السلمي للصراعات.
تجدر الإشارة إلى أنه يتم تمويل المؤتمر من قبل الحكومة الفدرالية وحكومة ولاية بافاريا والجهات الراعية من القطاع الخاص. ويدرج المنظمون وزارة الخارجية الألمانية ووزارتي الدفاع والتنمية ومكتب ولاية بافاريا لأمن المعلومات والجيش الألماني كشركاء حكوميين. ومن القطاع الخاص، تعد شركات "باير" و"أمازون" و"ميتا" و"مايكروسوفت"، من بين الرعاة الرئيسيين للمؤتمر، مع العديد من شركات الاستشارات الإدارية.
نبض