ليس تولّي العرش البريطانيّ مجرّد نزهة شرفيّة. هو يتطلّب أكثر من مجرّد الظهور في الكثير من المناسبات الاجتماعية والقليل من المناسبات السياسية. يفرض الزمن تحدّياته على العرش الملكيّ. والأنظار متّجهة إلى الملك الجديد تشارلز الثالث لمعرفة قدرته على تفكيك تلك التحدّيات. المقارنات بين الملكة الراحلة إليزابيث الثانية ووريثها لا تصبّ حالياً في مصلحته بما أنّ الأخير يفتقر إلى شعبيتها وربّما إلى حياديّتها الصارمة وفقاً لتقارير.
رابطة الكومنولث قد تتغيّر بعد وفاة إليزابيث، أو بالأحرى، قد تستمرّ بالتغيّر بعد رحيلها، كما أنّ الأعين ستتركّز أكثر على الملكيّة البريطانيّة وسط عصر لا يتسامح فيه الغرب كثيراً مع مؤسّسات لا تتكيّف والمتطلّبات الديموقراطيّة. علاوة على كلّ ذلك، حفرت الملكة اسمها في سجلّات التاريخ لجهة قيامها بالعدد الأكبر من الزيارات الخارجية للقاء أبرز الشخصيّات الدولية من بينها، على سبيل المثال لا الحصر، ثلاثة عشر رئيساً أميركياً. في وقت يمرّ النظام الدوليّ باضطرابات عدّة، يمكن التكهّن بصعوبة مواصلة نسج العلاقات الخارجية بالوتيرة نفسها التي حقّقتها الملكة الراحلة.
"معجزة"
سيستلم تشارلز الثالث ما يصفه الكاتب في شبكة "بلومبرغ" أدريان وولدريدج بـ"المعجزة". سبب ذلك أنّ المَلَكيّة نجت، بل ازدهرت، في عصر ديموقراطيّ ومساواتيّ. فالملكيّة تقف ضدّ كل ما تبشّر به الحضارة الغربيّة الحديثة: الوراثة عوضاً عن الاستحقاق، والتعيين عوضاً عن الانتخاب. وحقّقت الملكيّة البريطانية كل ذلك عبر تفادي التسويات التي أقدمت عليها سائر الملكيات الاسكندينافية وفقاً لوولدريدج. تحديداً، تبدو التغييرات الأكثر وضوحاً في نمط عيش الملوك الاسكندينافيين التي تكاد لا تختلف عن أنماط عيش المواطنين العاديين. في المملكة المتحدة، مظاهر الأبّهة لا تزال حاضرة بقوّة. لكنّ ذلك لم يزعج القسم الأكبر من البريطانيين.
المشاكل المحتملة الأخرى التي قد تستمرّ الملكيّة البريطانيّة بمواجهتها في عهد الملك الحالي هي الفوضى والفضائح التي سادت خلال العهد المنصرم. تركيز الإعلام أكثر وأكثر على حياة العائلة المالكة، بحثاً عن الدراما والإثارة على الأرجح، لن يترك مساحة واسعة للهدوء. وطوال العقود القليلة الماضية، لم يبخل قصر باكينغهام بالأخبار الدرامية. لكنّ الملكة إليزابيث لم تبخل هي الأخرى بضبط النفس "الرواقيّ". تكتظ صفحات وسائل الإعلام الأجنبية بالسؤال عمّا إذا كانت الملكيّة البريطانية ستنجو بعد رحيل إليزابيث الثانية. يبدو أنّ بريطانيا ستكون بحاجة إلى "معجزة" ثانية. ربّما ساعدت شعبيّة الملكة قصر باكينغهام على مرواغة التحديات خلال سبعة عقود. لكن ثمّة مفارقة واضحة في شعبيّة إليزابيث الثانية. هي لا تمتدّ إلى شعبيّة المَلَكيّة البريطانية وفقاً لما تقوله أستاذة أبحاث المستهلكين في جامعة لندن بولين ماكلاران في حديث إلى صحيفة "لوس أنجلوس تايمز".
أحوال الكومنولث
سلّط تقرير الصحيفة الضوء على بعض التحديات المحيطة بالملكيّة. يرى مناهضوها أنّها مؤسّسة مكلفة للبريطانيين في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الصعبة. يقول القصر إنّ كلّ بريطانيّ يدفع سنويّاً نحو 1.16 دولار لاستدامة الملكيّة، لكنّ المعارضين يقولون إنّ الكلفة الحقيقية أكبر بخمسة أضعاف. من جهة ثانية، قرّرت باربادوس السنة الماضية التخلّي عن الملكة كرأس للدولة. وبرزت تيارات في أوستراليا وكندا للإقدام على الخطوة نفسها لكنّها فشلت. وغرّد رئيس حزب "الخضر" الأوسترالي آدم بندت الخميس كاتباً أنّ رحيل الملكة كان اللحظة التي تحتاجها الأمّة لتغيير علاقتها ببريطانيا.
على الرغم من فشل هذه التيارات، لا يمكن استبعاد نشوئها مجدداً. كيفيّة نظر دول في الكومنولث إلى موقعها ودورها في العالم المعاصر ستترك أثراً كبيراً على قراراتها المستقبليّة في هذا الشأن. بالفعل، يتساءل المؤرّخ في كلية الفنون والعلوم في جامعة روتجرز الأميركية ألاستير بيلاني عن عدد الدول التي ستختار فصل نفسها عن التاج الملكيّ بغياب التعاطف والإعجاب الشخصيّ بالملكة الراحلة.
التحدّيات الأكبر قد تكون داخلية لا خارجية. نظرة البريطانيين إلى العرش الملكيّ في مقدّمتها. يقول بيلاني إنّ الملكة ومستشاريها أخطأوا مثلاً في التعامل مع مقتل الأميرة ديانا ممّا أظهر انفصالاً بين الملكة والشعب. لكنّ الملكيّة واصلت إعادة ابتكار نفسها وتكييف نفسها مع التطورات مستندة إلى الملكة كرمز محبوب للاستمرارية. غير أنّ الاحتكاك الدائم بين العائلة المالكة وهاري وميغان أظهر صعوبة التحديات بحسب رأيه.
امتياز
عودة إلى "معجزة" الملكيّة و"عبقريّة" الملكة بحسب وولدريدج. كرّست الملكة حياتها لأداء الواجبات الرسمية كما البسيطة مثل افتتاح المستشفيات والمشاركة في الأعمال الخيرية. في وقت اضطرب العالم الغربيّ بشكل متفاوت مع تولّي ترامب وجونسون السلطة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، مثّلت الملكة عالماً بديلاً متناسقاً وهادئاً كان فيه الصراخ محظوراً والكلمات قليلة ومختارة بعناية.
تحدّث المفكّر البريطانيّ والتر باغوت عن استناد الدستور البريطاني إلى تمييز بين الفرع المبجّل والفرع الفعّال من الحكومة. الأوّل يشير إلى مؤسّسات دائمة موجودة في نوع من العالم الأفلاطونيّ المثاليّ بينما ينتمي الثاني إلى العالم الدائم من السياسيين وصراعهم على السلطة. بحسب وولدريدج، كانت مهمّة الملكة تجسيد الأوّل والخضوع للثاني؛ "أدّت الملكة إليزابيث كلتا المهمتين بامتياز".
في الإعلام الغربي، غالباً ما تتكرّر كلمات مثل "المهمة" و"الخدمة" و"الواجب" في إطار تلخيص مسيرة الملكة الراحلة، كما في إطار توصيف القيم التي يؤمن بها البريطانيون. ثمّة توافق كبير على أنّ تجسيد إليزابيث الثانية لهذه القيم دفع البريطانيين إلى الإيمان بأهمية استمرار القصر الملكي وعائلته كرمز لوحدة المملكة المتحدة وصلة وصل بين ماضيها وحاضرها ومستقبلها.
لا يرث تشارلز الثالث الملكيّة عن والدته وحسب. هو يرث معها جهد استدامة إرث سياسيّ وثقافيّ دام نحو ألف عام. السؤال الآن هو إذا كان بإمكان الملك الجديد تأدية المهمّتين اللتين أتقنتهما إليزابيث، على المستوى نفسه من الامتياز.
نبض