نشوة كبيرة يعيشها الأوكرانيون ورئيسهم فولوديمير زيلينسكي هذه الأيام، بعد سلسلة انتصارات عسكريّة وخروقات ميدانيّة حققوها خلال أيام في شرق البلاد وجنوبها، وقد تجلّت باستعادة القسم الأكبر من منطقة خاركيف و400 كيلومتر مربع من أراضي خيرسون، بينما لا يجد الرئيس فلاديمير بوتين ما يستدعي الاحتفال في عيده السبعين وسط الإخفاقات الغريبة وتقهقر الجيش الروسي من المناطق التي أعلن القيصر ضمّها إلى بلاده الأسبوع الماضي. وبعدما توعّد بالدفاع عنها والحفاظ عليها بكل السبل الممكنة، بدأت في اليوم التالي تتساقط قرية تلو الأخرى.
هو واقع صادم إذاً بالنسبة للعالم، كيف لا وقد كانت القوافل الروسية الجرارة في طريقها إلى كييف منذ أشهر، بعديدها وعتادها، وأبرز المتفائلين لم يتوقع صمود أوكرانيا أكثر من أسبوعين، وتحدث كثيرون عن توجّه بوتين لـ"حسم المعركة" قبل "يوم النصر" في 9 أيار (مايو) الماضي. لكن ذلك لم يحدث، وتبدلت الصورة، حتى بات الدب الروسي عاجزاً عن الدفاع حتى عن "أراضيه"، ومضطراً للتلويح باستخدام السلاح النووي لإنهاء الحرب.
3 أسباب للتّقدم الأوكراني
يقول الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري (إنيغما) رياض قهوجي لـ"النهار العربي" إنّ التقدم الأوكراني جاء نتيجة ثلاثة أسباب:
"أسلحة دقيقة"
السبب الأوّل، امتلاك أوكرانيا أسلحة دقيقة وبعيدة المدى، زوّدتها بها الولايات المتحدة، وهي تحديداً صواريخ "هيمارس" التي يصل مداها إلى 80 كلم وتصيب أهدافها بدقة، كما تحمل قنابل انشطارية وتبحث عن أهدافها عبر منظومة استشعار موجودة فيها، بالإضافة لاستلام الأوكرانيين قذائف "إكسكليبر" التي تطلق مع مدافع "هاوتزر" عيار 155 مليمتراً، وهي تصيب أيضاً أهدافها بدقة عالية، وفيها منظومات "جي بي اس".
وباستخدام هذه الأسلحة، استطاع الأوكرانيون ضرب الخطوط الخلفية للقوات الروسية وحلفائها بدقّة كبيرة، وتدمير مرابض المدفعية وقطع خطوط المواصلات والإمدادات اللوجستية، ما أضعف إمكانية تزويد الجنود الروس على الجبهات بالعتاد والذخيرة والطعام، وهذا ما سهّل عملية الهجوم.
كما أنّ المساحات الشائعة التي سيطرت عليها روسيا في البداية، وضعتها أمام صعوبات الدعم اللوجستي وقدرتها للبقاء في هذه الأراضي، ما خلق ثغرات عديدة لدى قواتها.
"عقيدة القتال"
السبب الثاني، هو استبدال الأوكرانيين العقيدة القتالية السوفياتية التي ورثوها بالعقيدة العسكرية الغربية في القتال. وأحدثت التدريبات التي خضعوا لها منذ عام 2014 تغييراً هاماً باستراتيجيتهم. فالروسي يتقدّم بأسلوب الأرض المحروقة عبر تدمير كلّ ما أمامه أوّلاً، ومن ثم يلجأ للهجوم، بينما الغربي يعتمد أسلوب المناورة على طول خط الجبهة حتى يجد نقطة ضعف في دفاعات الخصم، فيفتح فيها ثغرة ويخترق سريعاً في العمق ويسيطر على تقاطع الطرق لقطع خطوط الإمداد. والجدير ذكره أيضاً هو حصول القوات الأوكرانية على معلومات استخباراتية دقيقة من الغرب عن نقاط الضعف في المعسكر الروسي.
وبطبيعة الحال، عندما يجد الجنود، أي جنود، أنّ خطوط الإمداد قد قطعت خلال المعركة، يكون أمامهم خياران: الاستسلام أو الانسحاب. ولهذا نرى عمليات انسحاب كبيرة في الجبهة الشرقية واستعادة أوكرانيا سيطرتها على أزيوم وليمان، والتقدم نحو خيرسون جنوباً.
"المعنويّات"
أما السبب الثالث لهذه الانتصارات الأوكرانيّة فهو المعنويات، فمعنويات الأوكرانيين أعلى بكثير من خصومهم. الأوكراني يدافع عن أرضه بقوّة ومعنويات عالية، بينما الروسي جُرّ إلى قتال لم يكن يريده، والدليل هو فرار عشرات آلاف الروس عبر المنافذ الحدودية عند إعلان بوتين قرار التعبئة. إذاً، لا رغبة لدى الجندي الروسي كالأوكراني، وهو أيضاً لم يُدرّب على الأسلحة الحديثة والأساليب القتالية الجديدة، وبالتالي يجد نفسه بمواجهة جيش محترف ومسلّح تسليحاً ممتازاً، ومستعد لفعل أي شيء لاستعادة أرضه.
سيناريوان لنهاية الحرب
من الصعب التنبؤ بكيفية انتهاء الحرب الروسية - الأوكرانية، فنحن نتعامل مع عوامل متغيّرة ومترابطة، من ضغوط سياسية واقتصادية وعقوبات وعزلة، إلى حرب غاز ونفط، إلى الاستياء الداخلي الروسي والخطر من أي انقلاب مفاجئ على بوتين، وصولاً إلى الوقائع العسكرية الميدانية وإمكانية التمرّد وعدم انصياع القوات العسكرية إلى أي أمر باستخدام السلاح النووي.
ثم إنّ هذه حرب قومية عقائدية، والطرف الذي شنّها كان يعتقد أنّه سينهيها خلال أيام، لكنه وجد أنّ مهمته باتت مستحيلة، بل هو يتعرض اليوم إلى هزائم مهينة، ولم يعد يجد أمامه حلاً سوى التهديد بالنووي، ففي عقيدته لا يمكن الانهزام في هذه الحرب، لأنّه سيدفع ثمناً باهظاً ويمكن أن يعني هذا نهاية روسيا كما عرفناها في السنوات الماضية.
إذاً، يجد قهوجي أنّ هناك سيناريوين لنهاية الحرب:
الأوّل، استسلام أحد الأطراف المتحاربة، وهنا لا يمكن التوقّع بأن تستسلم روسيا، بل يمكن أن تقدم كييف على هذه الخطوة إذا دخل السلاح النووي في المعركة.
الآخر هو التفاوض للتوصل إلى اتفاق ما، ولن يكون هذا سهلاً، لكن لا مفرّ منه، وعلى الأرجح سيكون بغياب بوتين أو زيلينسكي، أو كليهما.
نبض