مع بدء اتجاه قرص الشمس نحو الغروب كل يوم في شهر رمضان، يبدأ طباخون إعداد وجبات في قدور وطناجر كبيرة في عملية تستمر نحو ساعتين، يتبعها توافد عدد من الصبية إلى الخيام المنصوبة لهذا الغرض لمساعدة الطباخين في تعبئة الوجبات المعدة في علب كرتونية لتوزيعها على موائد الرحمن التي تنتشر في المدن الليبية كافة، لتقديم وجبات إفطار للفقراء وعابري السبيل، كطقس رمضاني يجهد الليبيون للحفاظ عليه رغم الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بمعيشتهم.
طارق الزيداني لا يمتهن الطبخ، لكنه يمارس هوايته بمشاركة مجموعة من الطباخين المحترفين "أملاً في الحصول على ثواب إفطار صائم". يقول لـ"النهار العربي" إن وضعه الاقتصادي المتدني لا يسمح له بالإنفاق مالياً على موائد الرحمن، لذلك قرر منذ سنوات مشاركة أصدقائه الطباخين في إعداد وجبات الإفطار من دون مقابل، موضحاً أنه تعلم فنون الطبخ من أمه وكثيراً ما يشارك زوجته في إعداد الطعام المنزلي، خصوصاً في أيام العطلة.
لحوم أقلّ...
ويُشير الزيداني إلى أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد لم تحد من انتشار ما يسميها "موائد الخير" كطقس يورثه الآباء للأبناء، وإن انخفضت كميات اللحوم التي توزع ضمن الوجبات.
ويضيف: "الكل يشارك في فعل الخير، ثمة من يساهم مادياً وآخرون يساهمون بالمواد الغذائية وفريق ثالث يشارك بمجهوده، سواء كان بالطبخ أم بالتوزيع، وحتى بتنظيف المكان بعد انتهاء الإفطار ومغادرة المفطرين".
"مائدة الخير" لا تجمع فقط الفقراء وعابري السبيل، بل ينضم إليها عدد من رجال الحي وأبنائهم في رسالة تآخ مجتمعي، وحتى يعتاد الأطفال على هذا الإرث ويحافظوا عليه، وفقاً للزيداني الذي يشير أيضاً إلى أن معظم موائد الرحمن تكون مجهزة بمكان للعائلات، إذ يصطحب المحتاجون زوجاتهم وأبناءهم لتناول وجبة إفطار لا يمكنهم تدبير كلفتها في منازلهم.

إعداد وتجهيز موائد الرحمن لا يعتمد حصراً على الجهد الشعبي بل يشارك فيه أيضاً عدد من الجمعيات الأهلية الخيرية، ومن بينها "بنك الطعام الليبي". ويقول أحد ناشطي البنك أحمد فايز إنه يعمل في كل المحافظات لأن نشاطه يعتمد على تبرعات الشركات والقادرين وميسوري الحال. ويوضح لـ"النهار العربي" أن إدارة البنك أبرمت اتفاقات مع عدد من المطاعم لتجهيز مئات الوجبات بجودة عالية لتوزيعها على المحتاجين، مضيفاً أن نشاط "بنك الطعام" ينقسم بين إقامة موائد الرحمن في الميادين الرئيسية في المدن الليبية، وتوزيع الوجبات والعصائر في الطرق على عابري السبيل، بالإضافة إلى لائحة تضم العائلات الأكثر احتياجاً إذ تحصل على دعم مادي شهري، وكذلك دعم المتضررين جراء الحروب وأخيراً إعصار "دانيال" الذي ضرب ساحل شرق ليبيا.
وتحرص مفوضية الكشافة الليبية أيضاً على تنظيم فعاليات موائد الرحمن في بنغازي منذ عام 2005، وفقاً لمسؤول الإعلام فيها محمود الشويهدي الذي يوضح أنها تسعى إلى تغطية أكبر عدد ممكن من المستفيدين.
تجمعات عائلية
وفي ليبيا تزدهر أيضاً التجمعات العائلية ومع الجيران إلى مائدة إفطار عامرةٍ بأطباق الطعام التقليدية، وعلى رأسها الشوربة و"البوريك" و"الدولمة" و"رشتة الكسكاس" وهي معكرونة رقيقة تشبه شعيرية الكنافة، وهناك "المُبطن" الذي يتكون من اللحم المفروم والبصل والبقدونس. ومن طقوس رمضان أيضاً تبادل الأطباق بين الجيران والعائلات أو ما يسمونه "الذوقة".

ويفضل الليبيون الاجتماع على الإفطار في البيوت على الذهاب إلى المطاعم، وفي المساء تعج المقاهي بالساهرين يستمعون إلى الموشحات التراثية، ويدخنون الأرجيلة. أما الأبناء فيمرحون في الشوارع والساحات، ويستعرض بعضهم مهاراته على الدراجات النارية. وللأندية الرياضية حضورها وفعالياتها خلال الشهر الكريم، فتحرص على إقامة الندوات الثقافية، والدوريات الرياضية على مستوى الأحياء، كما يحرص الناس على حضور دروس الوعظ والإرشاد في المساجد، ويقبلون على تلاوة القرآن الكريم والصلوات.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض