"غلبني رمضان" في الجزائر... شمّاعة لسلوكيّات سيّئة في شهر الصّوم
كغيرهم من المسلمين، للجزائريين طقوس رمضانية تقاوم النسيان، لكن ثمة ميزة تبرز بحدة في الشهر الفضيل، إذ لا تكبح بركته نوبات الغضب الشديدة والانفعال وخصوصاً لدى الرجال. ولئن كانت هذه الظاهرة حاضرة بين شعوب عديدة، لكنها في الجزائر تثبت مقولة "الجزائري دمه سخون" (الجزائري دمه حار).
كغيرهم من المسلمين، للجزائريين طقوس رمضانية تقاوم النسيان، لكن ثمة ميزة تبرز بحدة في الشهر الفضيل، إذ لا تكبح بركته نوبات الغضب الشديدة والانفعال وخصوصاً لدى الرجال. ولئن كانت هذه الظاهرة حاضرة بين شعوب عديدة، لكنها في الجزائر تثبت مقولة "الجزائري دمه سخون" (الجزائري دمه حار).
فلم تكد تمضي ساعات قليلة من الصيام، حتى شهدت مناطق جزائرية متفرقة شجارات ومناوشات عنيفة، انتهى معظمها بإصابات بليغة ومتوسطة بسبب استخدام الأسلحة البيضاء في بعض النقاط الساخنة، ومعظم المتورطين فيها يعلقون الشماعة على الصيام ويكتفون بترديد المقولة الشهيرة "الله غالب... رمضان غلبني". لكن الواقع يثبت أن رمضان بريء من هذا "الاتهام"، لأن الغضب الحاد والنرفزة والعصبية أمور تطبع يوميات الجزائريين في سائر الأيام.
شجارات لأتفه الأسباب
ومن بين أبرز الأمثلة التي وقف عليها "النهار العربي" في أولى أيام رمضان، تورط شاب في مقتبل العمر في مشاجرة مع شيخ في حدود منتصف النهار، إذ كان جالساً في موقف التراموي، أما الشيخ فكان جالساً في الجانب المقابل وينظر إلى حيث يجلس الشاب، فثار الأخير غاضباً وتوجه مباشرة نحو الشيخ محاولاً الاعتداء عليه جسدياً، واتسعت رقعة الخلاف والشجار بعد تدخل شباب آخرين لإنقاذ الشيخ والثأر له.
وغير بعيد عن هذا الموقف، وفي المنطقة نفسها تحديداً، نشبت معركة كلامية ساخنة بين سائقي حافلتين بشأن من ينطلق أولاً من المحطة بغية حصد أكبر عدد من الركاب، وفي لحظة معينة فقد أحد السائقين السيطرة على نفسه وأخرج عصا غليظة ليضرب بها خصمه، ولولا تدخل المواطنين لوقعت كارثة كبيرة. واللافت أن الطرفين استعملا مختلف أنواع السب والشتم والألفاظ البذيئة متجاهلين أن الكلام المحرم يفسد الصوم.
اعتداء جسدي آخر وقع في منطقة "الشباشب" ببلدية الرويبة (الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائرية) داخل مكتب البريد، قبيل ظهر الرابع من رمضان، إذ قام شاب في مقتبل العمر بضرب شيخ ستيني بعدما احتدم النقاش بينهما بشأن من يسبق أولاً لاستلام نقوده، ولأن الشيخ المسن طالب الشاب باحترام الدور والنظام في الطابور انهال عليه الأخير ضرباً وشتماً ولم يسلم منه إلا بعد تدخل الحاضرين.
جرائم قتل واختطاف
ومن الجرائم الخطيرة التي رُصدت خلال الأسبوع الأول من شهر رمضان إجهاض فرقة الأمن والتحري للدرك الجزائري بمسرغين في وهران، وفي ظرف وجيز، محاولة مجهولين اختطاف شاب يبلغ من العمر 19 عاماً. العملية أجهضت بناءً على بلاغ من مواطنين مفاده تعرض أحد الأشخاص للاختطاف عبر سيارة أجرة في حي "كوكا" بمحافظة وهران (ثاني أكبر مدن الجزائر بعد العاصمة وإحدى أهم مدن المغرب الجزائري)، وقد أسفرت العملية عن توقيف شخصين يبلغان من العمر 20 عاماً وينحدران من المنطقة ذاتها وحجز السيارة.
وفي مدينة حجوط التي تبعد عن محافظة تيبازة 14 كلم جنوباً وعن العاصمة الجزائر 75 كلم إلى جهة الغرب، وبسبب مشاكل وخلاف بين الجيران، نفذ أحد الأشخاص حادثة دهس أسفرت عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين بجروح بليغة استدعت مكوثهم في المستشفى لأيام، وأمر وكيل الجمهورية للمنطقة ذاتها بايداع المشتبه فيه رهن الحبس الموقت بجناية القتل العمدي مع سبق الإصرار ومحاولة القتل العمدي.
وإلى ذلك تزداد حالات الخلاف المنزلي التي تؤدي في أحيان كثيرة إلى الطلاق، وفق ما يؤكد خبراء اجتماعيون.
الأعراض الانسحابية وعوامل أخرى
الاختصاصية في علم النفس العيادي بن فطوم سهام أرجعت أسباب ارتفاع الانفعالات والمشاحنات في شهر رمضان إلى عدة عوامل، "منها انقطاع الأفراد عن التدخين واحتساء القهوة وبعضهم عن المخدرات والمشروبات الكحولية، ويطلق على هذا الأمر الأعراض الانسحابية، إذ تظهر مدمنها عدة أعراض منها الشعور بالصداع والخمول وظهور بعض السلوكات السيئة والخطيرة، مثل صعوبة التركيز وتقلب المزاج وفقدان السيطرة على النفس في معظم الأحيان".
ولذلك تقول بن فطون، المتخصصة تحديداً بالعلاج السلوكي المعرفي، في حديثها لـ"النهار العربي" إن "هذه السلوكات تبرز بكثرة عند الرجال لا النساء، فالمرأة هادئة الطباع وتجدها منشغلة بإعداد وجبة الفطور منذ منتصف النهار وأشغال البيت دون أخذ ولو قسط من الراحة أحياناً".
ومن العوامل الأخرى التي سلطت عليها الاختصاصية النفسية الضوء أن "الانفعال والعصبية يعودان إلى الشخصية العامة الموروثة للمجتمع الجزائري، فالصيام فريضة أساسها الإمساك عن الطعام ومنحه قدره وقيمته المناسبة، غير أن كثيرين يقعون في فخ الإهدار والتبذير مع أنه يجب علينا الصوم حتى نستشعر تجلي الله في كل شيء من حولنا".
عامل آخر قد يكون سبباً وراء هذه الظاهرة ويتمثل في تكاليف الحياة اليومية، وتقول المتحدثة إن "الفرد الجزائري أصبح اليوم بين مطرقة الغلاء وسندان الفواتير وهو ما يزيد الإجهاد الذهني والقلق والتوتر لدى الفرد، فكلما اقتربت أيام رمضان كان الرجال تحت ضغط كبير، وهو تفكير خاطئ لأن شهر رمضان هو شهر الاجتهاد للطاعات وتجديد العهد مع الله تعالى".
يوم توعوي
وقبل دخول رمضان، نظمت مديرية الصحة والسكان لمحافظة معسكر (من المدن الرئيسية في الغرب الجزائري) وبمشاركة عدة قطاعات يوماً توعوياً بشأن الضغوط النفسية والعصبية في رمضان. وتحدث المنسقة النفسانية ليلى كربوش عن أثر الصيام وعلاقته بالعصبية على الفرد، فلفتت إلى "أسباب كثيرة وراء تفشي سلوكيات السب والشتم والضرب وحتى الاعتداء".
ووفق المنسقة النفسانية فإن "قلة النوم وتغير النظام الغذائي وتأثير المخدرات على المدمنين خلال الصوم كلها أسباب تؤدي إلى العصبية، ولها تأثير كبير على الصحة النفسية للفرد، ولا بد للصائم أن يبتعد عنها حتى لا تؤثر على صحته الجسدية والنفسية".
وفي رأيها فإن "العصبية التي يتميز بها عدد من الصائمين ليس لها علاقة إطلاقاً بشهر رمضان، لأن للصيام مزايا روحية ونفسية عدة، فهو شهر لراحة النفس والطمأنينة ولا سيما بالنسبة للأفراد الذين يعانون في حياتهم من القلق والاكتئاب".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض