تراجع الإنجاب في تونس يقلّص حجم العائلة: تحديد النّسل خيار أم ضرورة؟
تفيد إحصائيات رسمية صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في تونس بتراجع حجم الأسرة التونسية من 6 أفراد في منتصف التسعينات إلى 3.8 أفراد حاليا، بمعنى أن الأسرة أصبحت تنجب ما بين طفل أو طفلين في أقصى الحالات، ليتراجع عدد الولادات من 225 ألف ولادة سنة 2014 إلى 160 ألف ولادة سنة 2023.
تفيد إحصاءات رسمية صادرة عن المعهد الوطني للإحصاء في تونس بتراجع حجم الأسرة التونسية من 6 أفراد في منتصف التسعينات إلى 3.8 أفراد حالياً، بمعنى أن الأسرة أصبحت تنجب ما بين طفل أو طفلين في أقصى الحالات، ليتراجع عدد الولادات من 225 ألف ولادة سنة 2014 إلى 160 ألف ولادة سنة 2023. كما ارتفعت سن الزواج لدى المرأة التونسية من 24 سنة في الثمانينات إلى 30 سنة حالياً، وتراجع العدد الإجمالي للزيجات من حوالي 110 آلاف سنة 2014 إلى 77 ألف زيجة سنة 2023.
وجاء في الإحصاءات التي أثارت جدلاً واسعاً أن 90.6 في المئة من النساء الحوامل خضعن لفحوص طبية في سنة 2023، فيما بلغت هذه النسبة 95.3 في المئة سنة 2018. وتراجعت أيضاً نسبة إخضاع المواليد لفحوص طبية من 96.8 في المئة سنة 2018 إلى 95.4 في المئة سنة 2023. كما أن 6 من 10 مواليد لا يتم إرضاعهم من الثدي منذ ولادتهم، رغم أن منظمة الصحة العالمية توصي بضرورة إرضاع الطفل رضاعة طبيعية طيلة 6 أشهر.
ثروات محدودة
وللإشارة، فإن تونس انتهجت منذ استقلالها سياسة تحديد النسل حتى تحافظ على عدد سكان يتلاءم مع الثروات المحدودة في البلاد، والتي يعزو باحثون تونسيون ندرتها إلى التقسيم الاستعماري غير العادل الذي حرمها من أراض تاريخية تعود لها تتوافر على ثروات مهمة. وتم هذا التحديد بنشر الوعي في صفوف المواطنين وبتشجيعهم على التقليل من الإنجاب، وبتوفير موانع الحمل وتوزيعها مجاناً، خصوصاً في الأرياف البعيدة والمناطق النائية.
وآمن أغلب التونسيين في مرحلة البناء برؤية الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة لتونس المستقبلية وانخرطوا في سياسة تحديد النسل التي أرادها، والتي تزامنت أيضاً مع منع تعدد الزوجات في إطار خطة لتنظيم الأسرة التونسية. ومكّن ذلك تونس من الحفاظ على نسبة نمو سكاني محدودة طيلة عقود، وحققت الهدف المطلوب من تحديد النسل فتحسنت المعيشة وكبر حجم الطبقة الوسطى وحقق الاقتصاد نسبة نمو برقمين في عشرية السبعينات.

تدهور مستوى المعيشة
ترى الناشطة في المجتمع المدني في مجال حقوق المرأة والطفل سلمى المبروك، في حديث إلى "النهار العربي"، أنه "بعد ثورة 17 كانون الأول (ديسمبر) 2010، ومع ازدياد نسب الفقر والبطالة نتيجة لتوقف آلة الإنتاج بسبب كثرة الإضرابات والاعتصامات، ونتيجة لجنوح الحكومات المتعاقبة إلى الاستدانة عوض إنجاز مشاريع التنمية، أصبح العزوف عن الزواج واللجوء إلى تحديد النسل ضرورة حياتية وليس خياراً كما كانت الحال خلال سنوات حكم الرئيس بورقيبة".
ولم يعد الشباب التونسي، بحسب المبروك، قادراً على تحمل تكاليف الزواج، وإذا تزوج وجد صعوبة في الإنفاق على طفل، وإذا أنجب طفلاً يتردد كثيراً في إنجاب آخر نظراً إلى كثرة المصاريف التي تتطلبها تربية الطفل الأول من مأكل وملبس وتعليم وغيره.
وتضيف: "كما أن الاهتمام بالأطفال يتطلب الكثير من الوقت والجهد من المرأة والرجل على حد سواء، بخاصة بعدما التحقت المرأة التونسية بسوق العمل وأصبحت مضطرة إلى التغيب عن بيتها لأوقات طويلة. كما أن الرجل، خلافاً لما كانت عليه الحال في الماضي، أصبح مضطراً لاصطحاب أطفاله إلى مدارسهم مع ارتفاع منسوب الجريمة في البلاد، وهو ما جعل العناية بطفل أمراً صعباً فما بالك بثلاثة أو أربعة أو خمسة".
وتضيف أن من أسباب تراجع الإنجاب، "زواج المرأة التونسية في سن متأخرة بسبب انصرافها إلى التحصيل العلمي لنيل أعلى الشهادات، وبالتالي لم تعد المرأة تفكر في الزواج، شأنها شأن الرجل، إلا بعد إتمام الدراسة بكل مراحلها. فإذا تزوجت الفتاة التونسية بعد نيلها للماجستير أو الدكتوراه وأنجبت واعتنت بطفلها الأول ثم أنجبت مرة ثانية واعتنت بالطفل الثاني وسهرت على تربيته حتى وصل إلى سن الدراسة، فإنها تجد نفسها قد تقدمت في العمر وأصبح الإنجاب من الناحية البيولوجية صعباً بالنسبة إليها وخطيراً على صحتها وسلامتها الجسدية، فتكتفي عادة بطفل أو طفلين على أقصى تقدير".
إنجاب بلا رقابة طبية
ويرى الكاتب والإعلامي والباحث التونسي في علم الاجتماع هشام الحاجي، في حديث إلى "النهار العربي"، أن الأرقام الأخيرة التي أعلنها مسؤولون في المعهد الوطني للإحصاء تؤكد أن تحديد النسل الذي أقبل عليه التونسيون بعد الاستقلال، بالنظر إلى إيمانهم بمشروع الرئيس بورقيبة، أصبح اليوم ضرورة لا بديل منها بالنسبة إلى الأسر التونسية. فقد تدهورت معيشة التونسيين، وهو ما يؤكده تراجع نسبة خضوع النساء الحوامل إلى الفحص الطبي أثناء الحمل من 95 إلى 90 في المئة، وتراجع نسبة إخضاع المواليد للفحوص الطبية، وهو ما يعني أن 10 في المئة من نساء تونس ينجبن من دون رقابة طبية أثناء الحمل بسبب قلة ذات اليد، وهو أمر خطير على صحة الأم والطفل على حد سواء.
ويضيف أن المجتمع التونسي "شهد تحولات مهمة خلال العقود الأخيرة، وأصبحت الأسر تحبذ تعليم البنات على زواجهن المبكر، وهو ما جعل سن الزواج تتأخر كثيراً وتتراجع معها نسبة خصوبة المرأة. كما أن تطور مستوى الوعي بفضل التعليم جعل الأسر التونسية تدرك أن إيلاء الاهتمام بطفل أو طفلين أفضل من تشتيت الجهود على عدد أكبر من الأطفال، بخاصة أن الزمن المخصص للعناية بهم قليل في ظل عمل الأبوين طوال اليوم".
ويرى الحاجي أن دولة الاستقلال نجحت إلى حد بعيد في سياسة تحديد النسل، بخاصة "إذا عرفنا أن عدد سكان تونس والمغرب كان لا يتجاوز الخمسة ملايين في الخمسينات، بينما تجاوز اليوم عدد سكان المغرب الأربعين مليون نسمة، فيما بلغ عدد سكان تونس 12 مليوناً لا غير".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض