31-03-2024 | 04:05

تونس... شهر رمضان يحيي مقاهي المدينة القديمة

صار التوجه إلى المدينة العتيقة للسهر في أحد مقاهيها من عادات سكّان العاصمة الذين صاروا يهربون إلى هذه الأماكن للاستمتاع بسهرة بين أزقة تنبض حياة وتاريخاً وجمالاً، وفي مقاه تكون تكلفة السهر فيها أقل بكثير من مقاهي المناطق الراقية.
تونس... شهر رمضان يحيي مقاهي المدينة القديمة
Smaller Bigger

في قلب المدينة العتيقة بالعاصمة يقع أقدم مقهى في تونس وفي إفريقيا. إنه مقهى "العنبة" الذي يبلغ عمره أكثر من 850 سنة ويعود بناؤه إلى فترة الدولة الحفصية في تونس.

يعجّ المقهى الشهير، الذي يتطلب الوصول إليه شقّ أزقة ضيّقة، بالسامرين في شهر رمضان وأغلبهم من الشباب، ويقول صاحبه لطفي المدب "نبدأ في استقبال الزبائن مباشرة بعد كسر الصيام لذلك نقوم بتجهيز المقهى قبل موعد الإفطار".

ويستقبل المقهى الذي كسب شهرته نسبة لشجرة عنب ممتدة تظلل الزقاق المؤدي إليها أعداداً كبيرة من الزبائن في شهر رمضان، وللعثور على كرسي وطاولة فيه لا بد من الحضور في ساعة مبكرة نسبياً مباشرة بعد تناول الإفطار.

ويلفت المدب إلى وجود حركة كبيرة في رمضان، قائلاً إن "الجميع يرغبون في السهر هنا بين الأزقة الضيقة للمدينة العتيقة التي تعود للحياة في رمضان، على عكس الأيام العادية إذ نُغلق في ساعات مبكرة من المساء بسبب ضعف الحركة".
 

ويتطلع أصحاب المقاهي في المدينة العتيقة إلى تعويض كساد الأيام العادية خلال ليالي رمضان التي تعيد الحياة إلى هذا الموقع المصنف تراثاً عالمياً.

وشُيدت المدينة العتيقة في عام 698، وتضم مئات المعالم التاريخية ونحو 20 سوقاً تقليدية لبيع الذهب والقماش والجلد والعطورات، علاوة على عدد كبير من المقاهي المشهورة التي ارتبط اسم كل منها بتاريخ وقصة، ومن أشهرها "مقهى الشواشين" نسبة لسوق الشواشين، وهي سوق لصناعة الشاشية التونسية، و"مقهى المرابط".

وقد أدرجت منظمة اليونسكو المدينة العتيقة بالعاصمة تونس على قائمتها للتراث العالمي سنة 1979.
 
  
لكن كل هذه المواقع لا تجعلها قبلة للتونسيين ليلاً في الأيام العادية، وعادة تغلق محالها ومقاهيها أبوابها في ساعات مبكرة من المساء فتقفر أزقتها وتُطفَأ أضواؤها ويخفت ضوضاؤها لتصير مكاناً خالياً يتحاشاه المارّة.

ووحده شهر رمضان من يقلب حال هذه المدينة فتصحو من سباتها الليلي وتتحوّل طيلة أسابيعه الأربعة إلى مقصد لعشّاق المسامرات والسهرات الرمضانية.

حضور شبابي لافت
وصار التوجه إلى المدينة العتيقة للسهر في أحد مقاهيها من عادات سكّان العاصمة الذين صاروا يهربون إلى هذه الأماكن للاستمتاع بسهرة بين أزقة تنبض حياة وتاريخاً وجمالاً، وفي مقاه تكون تكلفة السهر فيها أقل بكثير من مقاهي المناطق الراقية.

وأغلب رواد هذه المقاهي في ليالي رمضان هم من الشباب، وفق المدب الذي كشف عن وجود تغيير كبير وواضح في نوعية الزبائن الذين باتوا يقصدون مقاهي المدينة العتيقة خصوصاً في شهر الصيام.
 

ويضيف: "صرنا نلحظ حضوراً مكثفاً للشباب الذين يأتون جماعات لتمضية السهرة. في الغالب زبائننا هم من المتقدمين نسبياً في السن خلال الأيام العادية أو من طلبة الكليات المجاورة، لكن الأمر مختلف في رمضان".

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي ينشر كثير من الشباب صوراً أو فيديوهات من قلب مقاهي المدينة العتيقة ينقلون من خلالها أجواء "المدينة العربي"، كما يسمي التونسيون مدينتهم القديمة.

وتقول دارين الصخري، وهي شابة تونسية في العقد الثاني من عمرها، إنها تفضل أن تقضي سهرات رمضان بين أزقة المدينة القديمة على أن تتوجه للمقاهي الفخمة لأن لها سحرها الخاص، موضحة لـ"النهار العربي" أن الأجواء هناك جميلة، إضافة إلى أن الأسعار "وإن كانت مرتفعة نسبياً في رمضان إلا أنها لا تقارن بأسعار المقاهي الفخمة في الأحياء الراقية".

الحنين إلى الماضي
وفي أزقة الباشا والشوّاشين وسيدي بن عروس بقلب المدينة العتيقة تنتشر مقاه ذات شهرة كبيرة، وفيها يجلس الشباب جماعات، بعضهم يغني والبعض الآخر يعزف ما يضفي على المكان طابعاً خاصاً.
 

ولزيارة المدينة العتيقة في ليالي رمضان طقوس خاصة بالنسبة للشباب الذين يرتدون ملابس تقليدية تتماشى وأجواء المكان، مثل الشاشية والجبة، وهي أشهر ملابس تونس التقليدية.

وتقول دارين إنها اشترت "برنساً مطرزاً" لترتديه عند زيارة المدينة العتيقة في رمضان: "أشعر أنه يضفي جمالية أكبر على الصور التي التقطها هناك".

ويسهر كل مقهى على الحفاظ على خصوصيات التونسيين وعاداتهم في رمضان، سواء من خلال شكل الأثاث العتيق أو نوعية الحلويات والمشروبات التي تقدم للزبائن مثل "القهوة العربي" (قهوة تركية) أو البوزة (نوع من الحلويات التونسية) والشاي بالفواكه الجافة، إضافة إلى تنظيم حفلات موسيقية يحييها موسيقيون وفرق تونسية لا بد من أن يكون "المالوف" و"السطمبالي" والأغاني الصوفية من بين ما تقدّمه.

وأغلب هذه المقاهي بسيط في شكله وأثاثه الذي يستحضر تفاصيل حياة التونسيين قبل عقود طويلة.

ويقول زين العابدين بالحارث رئيس جمعية "تراثنا" لـ"النهار العربي" إن عودة الشباب إلى مقاهي المدينة العتيقة رغم كل ما توفره المقاهي الفخمة في الأحياء الراقية للعاصمة من خدمات مرفهة سببه "الحنين". ويضيف أن "الجميع يشعرون بحنين لتونس العتيقة ويرغبون في اكتشاف ما كان آباؤهم وأجدادهم يعيشونه".

ويضيف أن "الخصوصيات المعمارية للمدينة العتيقة التي تحاكي فترة مهمة من تاريخ تونس، وحفاظ تلك المقاهي عليها يثيران فضول الشباب الذين لم يعرفوا تلك الأجواء إلا من خلال الصور أو الفيديوات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، أو الأعمال والمسلسلات الدرامية مثل مسلسل "الخطاب على الباب"".

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية